بين القرار السياسي وحسابات الميدان… مفارقة صارخة في مقاربة دور الجيش

بين القرار السياسي وحسابات الميدان… مفارقة صارخة في مقاربة دور الجيش

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

في جلسةٍ بالغة الحساسية لمجلس الوزراء، حضر قائد الجيش العماد رودولف هيكل حاملاً معه منطق المؤسسة التي تقف يومياً على خطوط التماس. طُرحت أمامه مسألة سحب سلاح المقاومة، وتحويل مطلقي الصواريخ إلى القضاء، في سياقٍ سياسي أراد إظهار حزم الدولة في ضبط الداخل.

 

غير أن اللحظة المفصلية لم تكن في أصل الطرح، بل في المفارقة التي تلت. فعندما سأل قائد الجيش بوضوح: ماذا لو تقدّم العدو برّاً؟ هل أُمنح القرار والإمكانات لمواجهته؟ — جاء الاعتراض داخل المجلس على هذا المنحى، في مشهدٍ بدا صارخاً: رفضٌ لطرح أولوية مواجهة العدو، مقابل إصرارٍ على مطالبة الجيش بالتحرك لسحب سلاح المقاومة.

 

هنا تكمن العقدة السياسية. كيف يُطلب من المؤسسة العسكرية الانخراط في مسار داخلي شديد الحساسية، فيما يُستبعد — أو يُتحفّظ على — نقاش دورها في مواجهة التهديد الخارجي، ولا سيما من جانب إسرائيل؟ أليست وظيفة الجيش الأولى حماية الحدود والسيادة؟ أم أن ترتيب الأولويات بات يخضع لميزان ضغوط دولية وإقليمية تتقدم على منطق العقيدة العسكرية؟

 

الجيش اللبناني، بخبرته التراكمية، يعرف الجغرافيا اللبنانية شبراً شبراً. ضباطه وأفراده خاضوا معارك داخلية ضد الإرهاب، وانتشروا في أدقّ النقاط الحدودية، ويعلمون أن أي قرار سياسي يُترجم مباشرةً في الميدان. وهم يدركون أيضاً أن معادلة الردع القائمة مع حزب الله ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه بقرار إداري، بل توازن دقيق يرتبط بواقع أمني إقليمي متشابك.

 

المفارقة التي ظهرت في الجلسة تعكس فجوة بين المقاربة السياسية والمقاربة العسكرية. فالسياسة قد ترى في الاستجابة لضغوط خارجية خطوةً ضرورية لإعادة التموضع أو لتخفيف الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية. أما الجيش، فينظر إلى الأرض: إلى الجنوب المفتوح على احتمالات التصعيد، وإلى الداخل المثقل بالهشاشة الاجتماعية والسياسية.

 

“الذي يأكل العصي ليس كمن يعدّها”. هذه العبارة تختصر المشهد. من يصوغ القرارات في قاعة المجلس لا يواجه وحده تبعاتها الأمنية، بينما من ينتشر على الحدود ويقف في نقاط التماس يعرف تماماً أن أي اختلال في التوازن قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

 

اليوم، يقف الجيش عند مفترق حساس: بين الالتزام بقرارات السلطة التنفيذية، والحفاظ على عقيدته ودوره الوطني الجامع. وهو متهيّب للمرحلة لا خوفاً، بل إدراكاً لتعقيداتها. فالمؤسسة العسكرية تعلم أن أي خطوة غير محسوبة قد تنعكس داخلياً وتُقرأ خارجياً، في لحظة إقليمية لا تحتمل الأخطاء.

 

في الكواليس، برزت حكمة قائد الجيش أكثر من أي موقفٍ انفعالي. لم يرفع السقف، ولم يدخل في سجال، بل أعاد النقاش إلى جوهره: وظيفة المؤسسة وحدود تكليفها. تلك البرودة المدروسة لم تكن ضعفاً، بل قراءة عميقة لميزان القوى وحساسية المرحلة.

 

النصيحة هنا للقوى السياسية واضحة: أثبتوا في علاقتكم مع الجيش أنه العمود الفقري للبلد، وصمّام الأمان الأخير في زمن الاهتزازات. لا تضعوه في مواجهة الداخل من دون غطاءٍ وطني جامع، ولا تقيّدوا يده حين يتعلق الأمر بحماية الحدود. فالجيش هو المؤسسة التي ما زالت تحمل لبنان على راحتيها، وتحميه بلحمها الحيّ… وحين تتصدّع الجدران، لا يبقى واقفاً سوى ما بُني على ثقةٍ متبادلة بين السياسة والمؤسسة العسكرية.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram