ماليزيا: الملك العاشق، محميّة يونسكو… و«قانون الفتنة»!

ماليزيا: الملك العاشق، محميّة يونسكو… و«قانون الفتنة»!

 

Telegram

وصلنا إلى جزيرة بينانغ بالطائرة من كوالالمبور، متوجهين إلى فندق وسط جورج تاون، وهي بلدة قديمة أُدرجت في عام 2008 كموقع تراث عالمي لليونسكو، باعتبارها مثالاً استثنائياً لمدينة تجارية تاريخية متعددة الثقافات، تعكس تلاقح التأثيرات الأوروبية، المالوية، الصينية والهندية على مدى 500 عام، وهي تتميز بهندسة معمارية فريدة، مبان تراثية محفوظة، وثقافة حية تجسد التبادل الحضاري بين الشرق والغرب، وتصلح نموذجا عن نجاحات ماليزيا ومفارقاتها. توجّهنا، حسبما نصحتنا دلائل السياحة، إلى الشارع الأرمني الذي يعتبر منطقة للفن، لكننا وجدنا فيه تقليدا، ولكن ليس بنجاح كبير، لما رأيناه في السوق المركزي في كوالالمبور، الذي يغص بالمحلات المختلفة المشارب، بما في ذلك قسم يبيع اللوحات التشكيلية، وقسم كبير لبيع الكتب، وحيث شاهدنا فرقة موسيقية مؤلفة من فتاة محجبة وشاب يغنيان ويعزفان على الغيتار.

 

المغنية المحجبة

 

واضح أن الحجاب في ماليزيا، وهو أمر غير ملزم قانونيا، قد تحوّل إلى جزء ثقافي معبر عن الهوية الملاوية ـ الإسلامية، من دون أن يتعارض مع العمل أو الدراسة أو الفن أو الشهرة أو الحرية الفردية. إنه بالأحرى مؤشر ثقافي اجتماعي أكثر من كونه عائقا للعلاقات الشخصية، فقد رأينا الكثير من الفتيات والشبان الصغار يتصرفون بحرية في المجال العام.

 

 

كانت هضبة بينانغ، المعروفة أيضاً باسم بوكيت بينديرا (قمة الراية)، مزارنا التالي، الذي يتم الوصول إلى قمته الباردة وإطلالاته البانورامية، عبر قطار جبلي خاص يقطع بعض الغابات، حيث وصلنا إلى منطقة واسعة بمناظر خلابة وكائنات نباتية وحيوانية نادرة.

 

 

تشاركنا العربة التي تعرّف السياح على القرية العالية الصغيرة، وعرفنا من الدليل أن عددا قليلا من السكان يقيم فيها، بينهم بريطاني وعائلته، كما سكنها ملياردير يملك سلسلة فنادق شانغريلا الماليزية الشهيرة. تبادلنا المعلومات، مع الشاب والفتاة اللذين رافقانا الرحلة، فعرفنا أنه ماليزي هندوسي من أبوين أصلهما من شمال وجنوب الهند، وأنها بريطانية مسلمة من أصل بنغالي وأنهما يقيمان ويعملان في بلد عربي خليجي.

 

حرية التعبير وفائض الكراهيات

 

امتدح الشاب التعايش الأهليّ في بلاده بين المكونات والأعراق المختلفة، وبدا طريفا لي اعتباره أن بعض التقييد في «حرية التعبير» لعب دورا إيجابيا في حماية النسيج الوطني من حملات الكراهية المتبادلة. الحقيقة ان «حرية التعبير» مكفولة دستوريا في ماليزيا، لكنها ليست مطلقة، وهي تخضع لقيود صارمة تتعلق بالأمن القومي، والانسجام العرقي، الديني. هناك أيضا قانون مثير للجدل يسمى «قانون الفتنة» يحد من انتقاد الحكومة أو القضايا الحساسة. حسب الشاب الماليزي، فإن السوق الهائل الذي تسيطر عليه شركات وسائل التواصل الأمريكية الكبرى، حوّل «حرية التعبير» إلى طوفان لا يمكن ضبطه من حملات الإبادة وكراهية الأديان والأعراق والأجانب من كل صنف ولون.

 

 

ما تفعله ماليزيا، على ما يبدو، هو محاولة شاقة لموازنة الحرية المكفولة دستوريا، مع السعي الصارم لمنع احتمالات صعود نعرات قومية أو دينية، يمكن حسب تصوّر المشرّعين، أن تشكل خطرا كبيرا على نسيجها الوطني، وهو عنصر تشير إليه أمثلة كدور فيسبوك، الذي ساهم في انتشار حملات الإبادة ضد الروهينجا في ميانمار، ودور «واتساب» في مجازر شنيعة حصلت في الهند ضد المسلمين، وهو ما يجد تأطيرا منهجيا له في دور شركة «بالانتير» الأمريكية التي تجمع معطيات الأفراد والمؤسسات والدول وتوظفها في ما يحصل في غزة، وما يجري من حملات صيد المهاجرين في أمريكا، ويدخل في إطارها توصّل السلطات الأمريكية إلى تمكين أحد رجال الأعمال المحسوبين على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من السيطرة على «تيك توك»، الشركة الصينية، التي أزعجت حملات الناشطين فيها في ما يخص غزة، أوساط اليمين المتطرّف، وما حصل في قمة الذكاء الصُنعي في الهند مؤخرا، حين رفضت واشنطن «بشدة» حوكمة هذا القطاع.

 

الشيف يحتفي بعيد ميلاد سامي

 

دلّنا الشابان على مطعم شهير يقدّم المآكل الماليزية التقليدية، وكان الطبق الرئيسي المقدّم يقوم على الرز المطبوخ، وعلى أنواع اللحوم التي تضاف إليها أنواع متنوعة من المرق، وما لبثنا أن تعرّفنا إلى فرع في الجزيرة لمطعم سوريّ فاخر تعرّفنا فيه إلى «شيف» شاب سوري من عائلة أرمنازي أهدانا كعكة لنحتفل بعيد ميلاد ابننا سامي، بينما تنافس الموظفون، وهم من جنسيات عديدة، على معاملتنا خير معاملة.

 

 

 

كما في كوالالمبور، كانت إقامتنا في جورجتاون، في فندق ذي طابع صيني، وكان يحتفل بالسنة القمرية الصينية بأنواع من الزينة والأشجار المخصصة لهذا الحدث. سنشهد هنا أيضا التأثير الهائل للوجود الصينيّ، عبر «مولات» التسوّق الضخمة المليئة بـ»البراندات» العالمية الشهيرة الغالية، وعبر أنواع الخدمات المخصصة للصينيين، من التسوّق، إلى المآكل والمطاعم، إلى تصفيف الشعر والتجميل. لفت نظري، في الشارع الأرمني، جامع متوسط الحجم، يضع يافطة واضحة على بوابته تقول: أبناء الديانات الأخرى مرحّب بهم. كان ذلك جزءا من ميّزات نجاح المعادلة المتنوّعة والغنيّة، جغرافيا وعرقيا ودينيا، لماليزيا.

 

 

أحد عناصر هذه المعادلة الخاصة، هو أن ماليزيا هي البلد الوحيد الذي يقوم على ملكية دستورية من نوع غير معتاد، يتناوب فيها منصب الملك، كل خمس سنوات، تسعة حكام تقليديين هم سلاطين تسع ولايات، ويعد دور الملك، احتفاليا إلى حد كبير، وهو لا يشارك في عملية الحكم اليومي للبلاد، ولعلّنا، كعرب، سنجد طريفا أن أحد هؤلاء الملوك، وهو السلطان محمد الخامس، تنحى عن العرش عام 2019، بعد عامين فقط من توليه المنصب، وكان معروفا بحماسه للرياضات العنيفة، وتحديات القدرة على التحمل، ولكن يبدو أنه لم يستطع تحمل الضغط الذي وضعته عليه وسائل التواصل الاجتماعي، عندما بدأت صور له تظهر برفقة ملكة جمال روسية، تبين لاحقا أنه تزوجها، وانتهت القصة بعد شهور من الزواج السري الذي أدى إلى تنحيه بطلاق أوكسانا فويفودينا «بالثلاث»، بعد وقت قصير من ولادة طفلهما الأول.

 

 

حسام الدين محمد

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram