تطورت نظرة الشعراء إلى المرأة عبر الزمن، فمنهم من ركَّز على رهافتها وأنها كائن جميل لطيف، ومنهم من رسمها باللونين إما الأبيض الناصع أو الأسود المعتم، وآخرون رأوا فيها مبعثاً للتأمل الفلسفي والصوفي، في حين تلمَّس البعض منهم الحرية من خلال الأنثى، فهي الحلم والمشتهى بأبهى تجلياته.
ويرى النقاد أن أهم ملامح شعرية إلياس أبو شبكة (1903 ــ 1947) تتشكَّل بسبب حبه للمرأة وسخطه من فجورها، فهو الذي عاش تجارب فريدة من ناحية مجونها وقسوتها وعفافها وشهوانيتها مع العديد من النساء كوَّنت عنده رصيداً هائلاً من الزخم الشعوري صبَّه في دواوينه، ولاسيما «أفاعي الفردوس» و«غلواء» و«نداء القلب» و«إلى الأبد». أعمال أبرزت شغفه بالمرأة وجمالها وعفافها، واحتجاجه الكبير على «آثامها وعبوديتها للخطيئة»، وأيضاً عذابات ضميرها وآلامها، من دون أن يكون هذا السخط العارم سوى قناع آخر لمداورة عشقه للمرأة بكل لبوساتها من «طهارة» أو «دناسة». والملاحظ في جميع أشعاره أنه لم يصنع في قصائده كلها امرأة من لحم ودم، بل كان دائماً يُصوِّرها إما «طاهرة أو عاهرة». أما المزج بين المكونين في كينونة واحدة فهو غير موجود في قاموس عشق إلياس أبو شبكة.
التسجيلية الشعرية هي أبرز ملامح تعاطي بدر شاكر السياب (1926 ــ 1964) مع المرأة، ففي ديوانه «منزل الأقنان» يرصد نفسه لحظة فلحظة، واستطاع أن يسجل ألوان انفعالاته وظلالها وتعرجاتها وتناقضاتها، بحيث يمكننا اعتبار شعره وثيقة نفسية وفنية تصور العالم الداخلي لإنسان أشرف على الموت ووَثِقَ من أنه سيموت.. من دون إغفال أن عمق الألم زاد من مقدار الخصب الفني، كما أن ألمه الشخصي الفردي ظلّ يفضي في حالات كثيرة إلى ألم بلاده وناسه.
تبقى المرأة محرّضاً كبيراً في شعر السياب، فبعد فقدانه حنان والدته طفلاً وجدّته من بعدها فتى، تتوالى خيباته في الحب وصدماته العاطفية ولتبرز معها عمق موهبته وألق شعريَّته، خاصةً مع خوفه القابع في أعماقه من أنه غير محبوب، والذي جعله يلجأ في كثير من الأحيان إلى الخرافة والأسطورة برموزهما المختلفة، فهو السندباد، وأوليس الذي تنتظره بنلوب، وأيضاً أيوب، لكن أحال السبب من وراء أقنعته الشعرية كما جاء في أحد حواراته إلى أنه لم تكن الحاجة إلى الرمز، إلى الأسطورة أَمَسّ مما هي اليوم، فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه، أعني أن القيم التي تسوده قيم لا شعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح.
أمل دنقل (1940 ــ 1983)، يتعامل مع المرأة على أنها كسطح المرآة تعكس ما يسقط عليها، ولذلك نراه لا يُدينها، بل على الأغلب يلتمس لها العذر، إنها تتلقى الضربات والطعنات، وهي منفعلة وغير فاعلة. حتى إذا ما سببت الضرر أو الألم لغيرها، فإنما تفعل ذلك بغير إرادتها، لذا يعتمد في تعاطيه الشعري معها كمصوِّر ذي حساسية عالية يعرف كيف يحرك عدسة الكاميرا، وأين ومتى ينبغي تثبيتها، ليجعلنا نكوّن رؤية شاملة، ونصل إلى حالة إدانة أخلاقية معللة جيداً، لاسيما أنه يستفيد بذكاء من تقنيات السرد المختلفة، إذ يضعنا في جو قصة قصيرة مشغولة بفنية عالية، تبرز فيها نساء القاع كبنات لبيئاتهن بكل ما فيها من فساد وظلم وقهر».
أما المرأة في شعر نزار قباني، فلها حكاية مختلفة، إذ يسلك طريقه الخاص لمعالجة قضاياها وأوضاعها، ويهتم بجمالها، في الوقت الذي يركز فيه أيضاً على تمردها وثورتها على التقاليد الاجتماعية، كما أنه ينتقل بها من الجمال المحسوس إلى تصوير جماليات روحها، كمنحى متفرِّد لتصوف صاحب «طفولة نهد»، إذ يحرر «نساء الدنيا» بعدما حُبِسنَ في أجسادهن، ومن الصورة النمطية التي أسَرَتهُنَ ، مُبعداً شياطين الرغبة، مع اشتغاله بعناد على تثوير الرؤية الشعرية تجاه الأنثى، متضرعاً لها أن تزيده من العشق، مبعداً في شعره عن المرأة الجمود والضجر، جاعلاً منها مركز الكون وباعثة على الحرية والفرح.
لكن يبقى الشاعر كائناً مختلفاً عما ترسمه قصائده، لأنه في شعره يقدم الصور/ الحلم، التي يرغب بأن يكون عليها، فنزار قباني يقول «لا تبحثي عني خلال كتابتي/ شتان ما بيني وبين قصائدي»، وأيضاً شوقي بغدادي يؤكد «كي تعرفيني جيداً.. لا تقرئيني»، بينما يتعامل الشاعر إبراهيم عباس ياسين مع الأنثى على أنها كيانٌ نصفه حلم ونصفه الثاني امرأة. مع إدراكه المسبق، الذي عبَّر عنه في أحد حواراته الصحفية، أن «المرأة ليست مخلوقاً سماوياً، ولا كائناً خرافياً. لكن مسألة الحلم تشكل ضرورة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الشاعر، والمرأة التي تجتذبني من بين سائر النساء هي التي تحرّضني على الأحلام والشعر، وحينما تنتهي المرأة إلى حلم ملغى تبتدئ أزمنة الجفاف والقحط وتنتهي معها الحياة إلى صحراء قاحلة».
بديع منير صنيج
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :