إن كنت صحافياً دون أنفٍ يحكّك، فثمة خطأ ما في دخولك أروقة تلك المهنة المليئة بالثعالب والسناجب وبقية المخلوقات ما ظهر منها وما بطن! إذ قد يكون الصحافي دون موهبة، إنما لا يكون أبداً ومطلقاً دون فضول، وهذا ما جعل الصحافيين يشقون عصا الطاعة ويصبحون كائنات مكروهة في كل مكان وزمان، حيث يسبقهم أنفهم الحشري ويلازمهم لسانهم السليط وفضولهم المقيت.
في الآونة الأخيرة انزاحت فكرة الصحافة برمتها عن مسارها الأول وقواعدها المعروفة، إلا أنه وفي كل مرةٍ وعند أي تحوّل، لا يغيب الفضول أبداً عن جوهرها، وها نحن اليوم نرى الفضول يفتح ملفات ويغلق أخرى. يقول غريغوري ستيف: وكأن مهنة الصحافة قد صنعت لأولئك الظنونيين والفضوليين، ولهذا تدخل الصحف بيوتنا وتقتحم الأخبار حياتنا. ولعل سبب كتابة هذا المقال حوار جرى بيني وبين زميل وصديق صحافي لا يرى في الفضول سمةً أولى من سمات الصحافة.
في يوليو من عام 2016 فاز موقع مدينة الفضول " Curious City" بجائزة الولايات المتحدة للإعلام الجديد وذلك لقربه من هموم الناس والشارع. وفي حفل توزيع الجوائز قام مؤسس المشروع جينفر براندل Jennifer Brandel بإلقاء كلمة حول التجربة برمتها، جاء فيها: "إنه لشرفٌ عظيمٌ أن أتحدّث اليوم إلى الجيل القادم من الصحفيين. عيون وآذان العالم. من الغريب نوعاً ما أن أتحدّث إليكم اليوم من منصب الخبير والعارف، على أنني لا أعرف واحداً بالمئة مما تعرفونه. لم أحضر دروساً في الصحافة مطلقاً، وليس لدي شهادة في الصحافة. لسنوات عديدة شعرت أن هذا النقص في التعليم الرسمي كان ضاراً اجتماعياً. شعرت بالخجل من الاعتراف بذلك، ولكن قبل أن أصبح صحفياً أمضيت العشرينيات من عمري في الكثير من الأعمال المتناقضة التي يجمع بينها الفضول، فدرست اختبارات القياس النفسي في مونتريال، وصنعت النبيذ في تسمانيا، وكتبت عروضاً للراقصين الهزليين، وأنتجت مقاطع فيديو إعلامية عن الإيمان البهائي في شيكاغو".
مركزية الصحف ووجود مصادر سلطوية عليا تزيد الفجوة بين الصحافة والناس مما جعل وسائل التواصل أكثر قبولاً
براندال هذا، كان سبّاكاً ولكنه يسأل كثيراً ولا يحصل أبداً على الإجابات التي تريح ذهنه، فأنشأ موقعاً أقحم فيه الفضوليين ممن لديهم أسئلة عالقة فكانت مدينة الفضول التي أعادت الهيبة للأنوف الطويلة. وسمح للجمهور بالتصويت على أفكارهم المفضلة، وشاركنا معهم لاكتشاف الإجابات، فقد أفادنا مثلاً بأن الصحافة يجب أن تدخل إلى الحمامات العامة دون حرج، وتنشر ذلك ببهجة وتلقائية بعيداً عن الصحافات المقطّبة الجبين والخالية من النكتة والمرح. فقد نشر تحقيقاً استقصائيا عن مسح المراحيض بأوراق الجرائد، هل هو منتشر حقاً أم مبالغات صحفية؟ وما هي المواضيع الأكثر ملامسة لـ "بيديه" الحمام.
لقد تبين الفرق جلياً بعد ظهور وسائل التواصل بين تقطيب جبين الصحف التي تخفي انحيازاتها وأجنداتها، وبين المواضيع التفاعلية التي يشترك بها الناس وتنتج حالة عامة تستوجب الحلّ. إن مركزية الصحف وتوجيهها من مصادر سلطوية عليا تزيد الفجوة بين الصحافة والناس، وهو ما جعل وسائل التواصل أكثر قبولاً لدى الكثير.
ولكن هل تعتقد أن الفضول قصة سهلة؟ لا إنها سلسلة توريد كاملة، رزمة، "باكيج"، تبدأ وتنتهي في العديد من المحطات، إذ أن جمع الأخبار أو التحقيق في قضيةٍ استقصائية يتطلب بالضرورة مصفوفة معطيات، فلا يمكن لحدثٍ ما أن يُكتشف لولا الفضول، ولا يمكن للفضول أن يكتمل دون الشكوكية التي تجعله نقياً من المبالغات والمغالطات، ولا يكتمل ويتم الحدث ما لم نتابعه ونثابر في إتمامه، ولا وصول للتمام إلا بالانضباط، وكل هذا لا يكفي إن لم نكتبه بطريقة جذابة ومبدعة ونتناوله تناولاً مختلفاً مع عين رعاية الصدق والعطف بالقراء وبالحدث نفسه ليكون موضوعنا إحقاقاً مستحقاً. أما الشغف فهو نافلة، وفرض، وأول، وآخر، فهو إطار كل ما سبق وهو الذي يعكس جملة "مارك وايزن" الشهيرة التي تقول: لا تقل لي إنك صحفي وتكره أن أرسلك إلى سيبيريا أو حتى إلى الجحيم نفسه.
في بحثٍ أجرته صحيفة "واشنطن بوست" منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، سألَت: ممَ يشتكي رؤساء التحرير المتذمرون على الدوام؟ ما هي جملهم الأكثر شهرة؟ وجاءت الأجوبة:
1. قصتك ليست جيدة
2. هذا الموضوع غير مثير للاهتمام
3. لماذا تبدو غير شغوف وغير مهتم وغير فضولي؟
4. تتأخر على الدوام
5. هل تحققت جيداً؟
6. أكيييد؟؟!!
7. لا نريد لأحدٍ ما أو جهةٍ ما أن تقاضينا في أكاذيب.
8. تحرّك من مكتبك، كن فضولياً أكثر.
9. متي ستكتب قصتك التي تفتخر بها؟
10. اذهب وأكمل موضوعك الذي تنقصه عدة محاور، اسأل أكثر!
11. اذهب واحلق ذقتك!
آخر جملة ملفقة! لا، لن يقولها رئيس تحرير! فذقنك الكثة دليل شغف وعمل. وإن قالها فأنت على شفير الموت أيها الصحفي وهذا يعني أنك تسير على الطريق الصحيح! تلك هي نداءات الصحافة الكبرى التي تحققها البنود المذكورة وأخطرها نقص الفضول الذي يهدم ما بعده. لماذا الصحافة الجيدة هي نتيجة الفضول؟ تعال لنجرب على هذا التطبيق: الصحافة بين نوعين، قصص تتوازى مع الحدث وقصص تسبقه وتسلط الضوء على زوايا نحتاج إلى معرفتها.
هذان النوعان يحتاجان للفضول بشكل كبير، إذ لا يمكن للصحافة الاستباقية إلا أن تطرح الأسئلة، أين تذهب سيارات الفورمولا بعد نهاية خدمتها؟ لماذا تأخر لقاح كوفيد 19؟ ما الذي يحدث لحيوان المِنك بعد سلخه؟ النوع الثاني: قصة عادية، حدثٌ جرى ويجري يومياً، ولكن هل تعتقد أن الفضول آخر الواصلين في حدث يومي؟ اقرأ هذا: الساعة الرابعة من بعد ظهر الثلاثاء في لندن سقط رجلٌ سمين في حفرة أعمال عمقها ثلاثة أمتار وعلق فيها، مما أدى إلى توقّف حركة السير وتدخل الدفاع المدني لإنقاذ الرجل العالق، ذهبت ثلاثة صحف لتغطية هذا الخبر..
لدينا إذاً ثلاثة من المراسلين.
الأول وهو في الطريق وضع الأسئلة التالية:
· هل انكسر عظم هذا الرجل السمين؟
· من سيغطي الأضرار؟ التأمين الصحي أم الاجتماعي؟ شركة الرجل أم المقاول؟
· من المسؤول هنا؟ الرجل الساهي أم المقاول الذي تراخى في وضع علامات تحذيرية؟
المراسل الثاني جاء من اتجاه آخر:
· لماذا أغطي خبراً تافهاً كهذا؟
· متى سأنتقل لأصبح رئيس قسم؟
· هل أجلس في المقهى وأرتجل خبراً والسلام؟
المراسل الثالث:
· من هو هذا الرجل؟
· ما الذي تفعله الشركة؟ لماذا عمق هذه الحفرة ثلاثة أمتار؟
· هل لدى المقاول التراخيص اللازمة وعلى من سنلقي اللوم؟
في صباح اليوم التالي كانت العناوين كالآتي:
الصحيفة الأولى:
وكأن لندن ينقصها الزحام
إلى متى يتهاون المقاولون في أعمالهم الطرقية؟
الصحيفة الثانية:
حان وقت الأكل الصحي
رجلٌ بدين احتاج إلى كرين لإنقاذه من حفرة
الصحيفة الثالثة:
حتى عثراته وطنية
وزير العدل يوقف عملية سطو بنك بسقوطه في حفرة اللصوص
لا تجزع ولا تخجل من فضولك أيها الصحفي، فقد يكون الوطن عالقاً بالحفرة ولم يتبين الناس وجهه من الغمّ والهمّ.
هاني نديم
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :