«يجب أن تشكر الظروف على أي موقف يحدث لك، حتى ولو كان سيئاً؛ فكل شرّ في باطنه خير وفير، ولولا نزول الشرّ لما حدث لنا الخير، وما تذوَّقنا حلاوة ما يطرأ من مستجدَّات». بالتأكيد، هذه العبارات الطنانة قد سمعها الجميع؛ والسبب أنه يتم تداولها في جميع المجتمعات على المستوى العالمي، على حدٍّ سواء، إلى أن صارت حقيقة مؤكَّدة وأمراً واقعاً يؤمن به الجميع كأنه أحد الجينات الأساسية التي لا يمكن غيابها حتى يستقيم الكيان البشري. ويمكن تلخيص كل ما قيل في كلمة واحدة «التفاؤل»، وحسبما يُشاع: «تفاءلوا بالخير تجدوه».
لكن، وبدون أدنى شكّ، تلك العبارات والمفاهيم الطنانة تثير حفيظة أغلب البشر في الكون بأكمله، وخاصة لو أن الشرّ يستشري والخير ينزوي. وعلى مرّ السنين، كانت تلك الفكرة تشغل بال المفكِّرين والفلاسفة على مرّ العصور، ولقد بلغ الأمر ذروته في عصر النهضة في نهاية القرن السَّابع عشر، حينما بدأت القفزات العلمية والتكنولوجية تتوالى وتغيِّر مسار البشرية. وفي ذاك الوقت، ظهر ضمن الفلاسفة والمفكِّرين الذين يروِّجون للفلسفة الدينية، التي تناوئ جميع المفاهيم التي تشجب وجود الشرّ في البشرية، عبقرية علمية فلسفية تسمى جوتفريد لايبنيزGottfried Leibniz (1646-1716)، العالم الألماني الموسوعي ذو الإنجازات الرائعة المؤسسة لشريان التقدُّم في مجالات علمية وثقافية وسياسية؛ حيث برع في الرياضيات والفلسفة والعلوم والدبلوماسية. ويذكر التَّاريخ أنه ابتكر علم التفاضل والتكامل، جنبًا إلى جنب مع إسحاق نيوتن.
هذا بالإضافة إلى براعته في العديد من فروع الرياضيات الأخرى، كالحساب الثنائي والإحصاء، وأيضًا إتقانه لتاريخ الفلسفة وتاريخ الرياضيات. ومن الجدير بالذكر أن لـ «جوتفريد لايبنيز» مؤلفات مؤثِّرة في الفلسفة واللاهوت والأخلاق والسياسة والقانون والتَّاريخ وفقه اللغة والألعاب والموسيقى، وغيرها من المجالات.
كما كان له أيضًا إسهامات بارزة في مجالي الفيزياء والتكنولوجيا، واستبق مفاهيم ظهرت لاحقًا في نظرية الاحتمالات وعلم الأحياء والطب والجيولوجيا وعلم النفس واللغويات وعلوم الحاسوب.
ومن ثمَّ، استحق لايبنيز عن جدارة لقب «آخر العباقرة الشَّاملين»؛ وهذا نظرًا لأنه بعد الثورة الصناعية وانتشار العمل المتخصص، أصبح من النَّادر، وإن لم يكن من المستحيل، وجود عالم شامل.
وبسبب الصدام المتكرر بين المفاهيم الدينية والتقدُّم العلمي والصناعي الذي كان يشهده العالم آنذاك، حاول لايبنيز جاهدًا بعبقريته الفذَّة أن يتوصَّل لحقيقة هذا الأمر، وكانت فلسفته تؤكِّد دومًا أن جميع الطرُق تفضي إلى حقيقة واحدة؛ وهي أن الكون أنشأه خالق عظيم، وأنَّ الكون لم يُخلق هباء أو من دون سبب.
ودومًا كان يؤكِّد أنه يوجد سبب لحدوث الأشياء والمواقف، وأن جميعها يُفضي إلى التوكيد على وجود خالق للكون سواء تم تسميته بـ «الخالق» أو «قوى كبرى» أو «منظومة سماوية»، أو غيرها من الألقاب، وجميعها تشير إلى وجود الخالق. ومن ثمَّ، هذا الخالق هو أعظم قوة عرفتها الطبيعة والبشرية، وأنه لم يخلق الكون اعتباطاً أو هباء.
وبالتساوق مع فلسفة وجوب الإيمان بالخالق، حاول لايبنيز أن يبحث في طبيعة الشرور التي تعجّ بها البشرية وتسبب رأبًا لا يندمل في حياة الآخرين. وقادته تلك الأفكار إلى نشر كتابه «التبرير الإلهي» عام 1710، الذي يرسم فيه ملامح فلسفة «التفاؤل» بكلّ دقَّة وبأسلوب شديد الإقناع. وفي هذا الكتاب، يشرح جوتفريد لايبنيز سبب وجود الشرّ في البشرية، والرد على التساؤل الذي لا يزال يؤرِّق الآخرين، ألا وهو «إذا كان الخالق راغبًا في تحقيق الخير للبشرية، فما سبب تفسِّي الشرور؟» ولقد أجاب لايبنيز على ذاك التساؤل في كتابه، ولخَّص فلسفته في عبارة «نحن نعيش في أفضل نسخة من العالم على الإطلاق». ولقد عمل لايبنيز على تبرير وجود الشرّ بتوكيده أن وجود الشرّ أمر حتمي لإحداث توازن في البشرية، وأن كل أمر من شؤون الدنيا موضوع في حالته المثلى التي تحدث هذا التوازن.
لكن شخصية الكاتب والعالم والفيلسوف الفرنسي العبقري فولتيرVoltaire (1694-1778) أبت هذا التبرير غير المنطقي الذي لا يستند إلى حقائق ووقائع علمية، بل على ترّهات ميتافيزيقية لا يمكن إثباتها عمليًا، ورأى أن هذا التبرير لا يتنافى فقط مع فلسفة وطبيعة الحقبة التي نشر فيها فلسفته، بل يتنافى أيضًا مع كونه عالم رياضيَّات يتعامل مع الأرقام، التي هي في الأساس وقائع ثابتة وتعطي تبريرًا منطقيًا لكل شيء. أضف إلى ذلك، شجَّع فولتير جميع أطياف البشر على التفكير، وكذلك الشك في كل وأي شيء من أجل الوصول إلى الحقائق. وبناء على ذلك، صار فولتير واحدًا من أشهر من عارضوا مزاعم لايبنيز عن التفاؤل. ولنشر فلسفته المناوئة، صاغ فولتير مسرحيته الشهيرة كانديد Candide (1759)، ثمَّ وضع أسفله أيضًا عنوانًا فرعيًا وهو «التفاؤل» Optimism. والمسرحية تضاهي أسلوب فولتير المعهود؛ فهي مسرحية كوميدية ساخرة من الدرجة الأولى، حاول فولتير أن يوضح، بداية من عنوان المسرحية، موقفه المناوئ لفلسفة التفاؤل. ولهذا، فإن عنوان المسرحية هي كلمة مشتقَّة من الكلمة اللاتينية Candidus وتعني «أبيض» التي غالبًا ما يوصف بها الأشخاص السذج أو من لا يزالون على فطرتهم. وبهذا، يعني عنوان المسرحية «الشخص الساذج»، أمَّا العنوان الفرعي «التفاؤل»، فهو مرادف، إلى حد بعيد، مقصود للعنوان، وإشارة صريحة لأنه سيتحدَّث عن تلك المزاعم التي تؤيِّد وجوب وجود الشرّ في العالم.
والمسرحية تضم سلسلة، تبدو لا متناهية، من الكوارث والشرور التي تحيط بالإنسان، وإن كان في نهاية المسرحية يمنح المشاهد الحلّ السريع والناجع لهذه المشكلات التي لا مفرّ منها. وبطل المسرحية، الذي يُدعى «كانديد»، شاب يتيم ربيب لبارون شديد الثراء، علاقته به أنه ابن غير شرعي لشقيق البارون. ويظهر كانديد منذ أوَّل مشهد في المسرحية شابًا بريئًا وساذجًا. أضف إلى هذا، فهو سريع التأثُّر بآراء الآخرين، وبكل سرعة يقع فريسة للشخصيات الأقوى منه. وكما ينبلج، فإنّ من ساهم في بناء هذه الشخصية الساذجة هو معلِّمه الفيلسوف الذي يعتقد في فلسفة التفاؤل ويعلِّمها لتلميذه كانديد، وهذه إشارة صريحة إلى شخص ليبنيز، الذي يجعل كل من يتَّبعه يصير ساذجًا تمامًا مثل كانديد، الذي كان يكرر دائمًا معلِّمه على سمعه: «أن ذاك العالم الذي نعيش فيه هو أفضل عالم من العوالم المتاحة لنا».
بين ليلة وضحاها تتبدَّل أحوال كانديد؛ بعد أن يكتشف البارون أن كانديد يلاطف ابنته، ويخطط للزواج منها. في اللحظة نفسها، يطرد البارون «كانديد» الشاب الساذج من قصره، وحينها يجابه الشاب كانديد الواقع بكل قسوته. فيتم تجنيده في الجيش البلغاري ويشهد أهوال الحرب من قتل وسفك دماء الأبرياء، فيهرب من الخدمة بالجيش إلى هولندا، وهناك يقابل معلِّمه الذي تحوَّل إلى شحَّاذ؛ والسبب أن البلغار داهموا القصر وقتلوا عمه وابنته بأبشع صورة، لكن وبالرغم من هذه الأحداث، لا يزال المعلم متفائلًا. بعد ذلك، يسافرون بسفينة إلى لشبونة في أسبانيا هربًا من البلغار، لكنهم يكتشفون أنه تم تدميرها بزلزال، ووقعت المدينة في أيدي محاكم التفتيش. وهناك يتم تعذيبهم بأبشع صورة، وبعد الانتهاء منهم تشفق عليهم عجوز وتضمد جراحهم. لكنهم وهم في منزلها يكتشفون حبيبة كانديد، ابنة البارون، التي تعترف أنه بالرغم من قتل البلغار لعائلتها بأبشع الصور، كانت سعيدة بأنه تم اغتصابها فقط، ثم اقتادها أحد الضباط وباعها كعبدة لرجل يهودي، الذي حوَّلها إلى عبدة لشهوات الرجال.
وفي أثناء الحديث، يدخل مالك ابنه عمه، فيقتله كانديد، وبهذا يتحوَّل الشاب الساذج إلى قاتل. ثم يهرب الجميع في سفينة، وفي السفينة تعترف السيدة العجوز أنها كانت ابنة البابا، لكن داهمتها سلاسل من الحظ السيئ التي على إثرها تم اغتصابها وبيعها كعبدة ومجابهتها لآكلي لحوم البشر، وكذلك الهروب منهم. وحتى السفينة التي هربوا فيها تعصف بها نوَّة، فتتحطَّم. وتستمر أحداث المسرحية على هذا المنوال من الأحداث العنيفة والمؤلمة التي يكتنفها جميع الشرور، وليس من السهل أن يجابهها فرد أو جماعة مستضعفة. وبالرغم من هذا كله، يؤكِّد فولتير أن كل من في المسرحية لا يزال شديد التفاؤل والإيمان بأن هذا الشيء يحدث لسبب ما قد يكون مفضيًا إلى خير وفير.
وفي نهاية المطاف، يفترق الأصدقاء بعد السفر إلى إيطاليا وفرنسا لمجابهة المزيد من سوء الحظ والصعاب، وكذلك الهرب من آكلي لحوم البشر العازمين على افتراسهم، وأخيرًا تتحطَّم السفينة التي كانوا على متنها. والغريب، لا يزال معلِّم كانديد متفائلًا ويعتقد أن الخير قادم. وحينئذٍ يفترق كانديد عنهم بعدما تقذفه الأمواج إلى جزيرة، في حين أنّ أصدقاءه تخطفهم عصابة كبيرة منظمة وتبيعهم كعبيد. وفي النهاية، يصل كانديد ليقابلهم في تركيا، ويشتري حُرِّية أصدقائه لأن يؤوب ثريًا. وفي تركيا، يقابل رجل مزارع عجوز يعاني من ظلم وصلف الإقطاعي مالك الأرض الذي يذيقه الأهوال، بيد أنه يدهشهم بأنه علم طريق السعادة التي وفَّرت له راحة البال. فلقد اختار أن يزرع حديقته ويستمتع بما فيها من مباهج، ويدير ظهره إلى جميع ألوان الظلم وسوء الحظ. وعلى المنوال نفسه، يشتري كانديد وأصدقاؤه قطعة أرض، ويعملون على زراعتها ويعيشون فيها سعداء مرتاحي البال، بعد أن أداروا ظهورهم لجميع ألوان الشرور التي تحيط بالبشرية.
ويرغب فولتير من سياق تلك المسرحية أن يؤكِّد أن الظلم وسوء الحظ والشرور بالفعل موجودة في جميع بقاع الأرض، والدليل أنهم سافروا لدول عديدة، وفي كل دولة يوجد العديد من الشنائع والشرور سواء التي من صنع البشر، أو من صنع الطبيعة؛ كالزلازل وهياج البحر. وبناء على ذلك، يقيم فولتير الدليل بأن كل هذه الشرور لا تحدث أي توازن؛ لأنه بالأساس لا يوجد ما يعادلها من خير. ونصيحة فولتير التي يسديها للجميع هي وجوب عدم محاولة إيجاد سبب منطقي لهذه الشرور، لأنها «شرور»، مهما كانت درجتها، وإلَّا سيظهر الفرد وكأنه ساذج أو معتوه منفصل عن الواقع. وعلى هذا الأساس، الحل هو «زراعة الحديقة الخاصة بالإنسان»، وتلك الحديقة هي العقل الذي يجب على الفرد أن ينميه ويقصيه عن جميع ألوان الخُرافات، بما في ذلك الخرافة الكبرى التي تسمى «التفاؤل».
كان فولتير كاتبًا وفيلسوفًا ثوريًا، آمن بالعقل وأهميته في بناء شخصية سليمة تنهى عن تغييب الأفكار والاعتقاد في أشياء عدم حدوثها لا يصيب الفرد إلَّا بخيبة الأمل ويجعل نعمة العقل تتوقَّف عن التفكير. ولهذا، أما آن الأوان لكل فرد أن يزرع حديقته؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :