إيران واللعبة الكبرى: من الجغرافيا إلى إسقاط الهيمنة!

إيران واللعبة الكبرى: من الجغرافيا إلى إسقاط الهيمنة!

 

Telegram

معروف أن إيران تمثّل بقعة التقاء جغرافي وجيو-استراتيجي بين روسيا ودول الطوق السوفياتي سابقًا ووسط آسيا من الشمال، وبين الهند الصاعدة اقتصاديًا وباكستان، الدولة النووية الإسلامية الوحيدة، إضافة إلى منطقة القوقاز المتنازع عليها سياسيًا من جهة الجنوب، فضلًا عن غرب آسيا بدولها العربية والخليجية.

 

أمّا شرقًا، فهي تقع في قلب مشروع “طريق الحرير” الصيني الجديد، الذي يربط بكين بقلب آسيا وأوروبا والعالم العربي.

 

وما يضفي على هذه الأهمية القصوى لإيران في الجيوبوليتيك قيمةً عملية مضافة على الساحة الدولية، ويشكّل سببًا مباشرًا لتوتر واشنطن، هو عضوية طهران في مجموعة “بريكس” (BRICS)، الهادفة إلى التشارك والتشاور في المال والأعمال عالميًا بين أعضائها، والتي تشكّل الصين والهند وروسيا نواتها الأساسية، إذ تجاوز ناتجها القومي ناتج مجموعة الدول السبع الغربية ـ الأميركية (G7). كذلك، تتمتع إيران بعضوية منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) للأمن الآسيوي ـ الأوروبي، المعنية بالتعاون والتنمية الاقتصادية مع الصين وروسيا ودول أخرى، والهادفة إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار والازدهار في الرقعة الأوراسية، الأكبر سكانيًا وجغرافيًا على مستوى العالم، ما يجعل من إيران لاعبًا محوريًا في الكتلة الأوراسية الكبرى، التي تشكّل خصمًا صلبًا للكتلة الغربية ـ الأميركية.

 

ومن هنا يمكن تفسير التحشيد العسكري الأميركي حول إيران، في محاولة لكسر وإفشال نشاطات ومشاريع هذه المنظمات، التي إن كُتب لها النجاح، يهدّد بسقوط الولايات المتحدة عن موقع قيادة العالم نهائيًا.

 

غير أن كسر إيران عسكريًا يُعدّ أمرًا بالغ الصعوبة في الأصل، فهي دولة كبرى من حيث المساحة والديموغرافيا. وحتى بروباغندا استخدام أسلحة غير تقليدية، كنبضات كهرومغناطيسية أو أسلحة نيوترونية تقتل البشر من دون الحجر، أو أدوات إلكترونية تعطل الأجهزة العسكرية والمدنية والخدمية لشلّ الدولة بالكامل، قد تنجح مرحليًا، لكنها مرجحة لأن تفشل مع استمرار الحرب، بسبب استحالة تغطية الجغرافيا الإيرانية الشاسعة. وقد تحقق واشنطن نجاحًا محدودًا زمانيًا ومكانيًا، لكنها قد تتعرض لاحقًا لضربات قاتلة، كما حصل في حرب الأيام الاثني عشر مع “إسرائيل”.

 

في المقابل، يرجح أن يتعرض كيان الاحتلال الإسرائيلي لقصف صاروخي من إيران وحلفائها، يستنزفه بشرًا وحجرًا وبنيةً تحتية، وقد يقضي على بنيانه الحالي وفق محطات زمنية تطول أو تقصر تبعًا لظروف المعركة، لكن النتيجة ستبقى واحدة: نهايته ككيان عنصري يهودي.

 

ومن المعطيات التي تصب في مصلحة طهران أنها شريك استراتيجي لروسيا في التعاون العسكري، وكذلك الاقتصادي، بوصفها بوابةً للوصول إلى الهند جنوبًا، ومنها إلى المحيط الهندي والخليج العربي والقرن الأفريقي تجاريًا. وهي ورقة رابحة بيد موسكو، التي لن تتخلى عنها بسهولة.

 

أمّا الأهم، فهو أن إيران تشكّل مصدر طاقة أساسيًا للصين، يغطّي أكثر من 28% من حاجتها من النفط والغاز لتغذية مجمّعها الصناعي والاقتصادي، الذي بات يُعرف بـ”مصنع الكوكب”، بدل المصنع الأميركي المتهالك والعاجز ماليًا وتجاريًا. وهذا هو السبب الجوهري لمحاربة إيران.

 

ولهذا السبب تحديدًا، إذا لم تندلع الحرب ضد طهران، فإن واشنطن قد تلجأ إلى تخريب وعرقلة ووضع الألغام أمام التدفقات الطاقوية الإيرانية باتجاه الصين، بأسلوب أو بآخر، لمنعها من أن تصبح الاقتصاد الأول عالميًا، لا سيما في ظل الأزمات البنيوية والنظامية المالية التي تنخر الاقتصاد الأميركي. غير أن بكين، في هذه الحالة، تمتلك أدوات ضغط مضادة يمكن أن تستخدمها لتسريع نهاية الأحادية الأميركية دوليًا، ليس أولها التخلّص من مزيد من سنداتها في الخزانة الأميركية (Treasury Bonds)، التي تبلغ حاليًا نحو 755 مليار دولار، ما يزيد الضغط على اقتصاد مأزوم أصلًا، وينعكس مباشرة على الناخب الأميركي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث قد يصبّ ذلك في مصلحة الديمقراطيين، وهو أكثر ما يخشاه دونالد ترامب.

 

ولا تقتصر أوراق الضغط الصينية على ذلك، بل تشمل أيضًا إمكانية وقف تصدير المعادن النادرة، ولو جزئيًا، التي تقوم الصين بمعالجتها وصقلها في مختبراتها الصناعية، والتي تُستخدم في تصنيع الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات الضرورية للصناعات العسكرية الأميركية.

 

وعندها، قد تبدأ الآلة الحربية الأميركية بالخروج التدريجي عن الخدمة، وربما تصل إلى الشلل التام، لتجد الولايات المتحدة نفسها يومًا ما مكشوفة ومهزومة عسكريًا واستخباراتيًا.

 

وأي عمل حربي يأمر به ترامب، سواء أكان حربًا مباشرة أم حصارًا اقتصاديًا على غرار ما فُرض على فنزويلا أو غيرها، ومهما طال أو قصر، قد يتحوّل إلى واحدة من أشنع الهزائم التي يتلقاها هذا النظام الدولي ذي النزعة الأميركية، والذي يتجلى بوضوح في هذا الجنون الأميركي تجاه إيران، تمهيدًا لتحوله التدريجي إلى نظام عالمي جديد متعدد النزعات والتوجهات، في الاقتصاد والعسكر والهويات الثقافية والحضارية.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram