لطالما ارتبط تاريخ القراءة في المجتمعات العربية الإسلامية الوسيطة، بسؤال أوسع عن العلاقة بين الشفهي والمكتوب، وعن الطريقة التي حافظت بها هذه المجتمعات على المعرفة ونقلتها وتداولتها. ففي عالم ما قبل الطباعة لم يكن النص مجرد مادة تقرأ في عزلة، بل كان جزءا من شبكة اجتماعية وثقافية تنتج السلطة وتوزعها، وتحدد من يحق له امتلاك معرفة ومن يحق له أن يتلقاها.
يلاحظ المؤرخ الألماني كونراد هيرشلر في كتابه «الكلمة المكتوبة في العصور الوسيطة العربية: تاريخ اجتماعي وثقافي لممارسة القراءة»، أن دراسة القراءة في بلاد الشام ومصر، خلال العصور الوسيطة الأيوبية والمملوكية، لا يمكن اختزالها في سؤال إنتاج المخطوطات، أو ازدهار التأليف وحده، بل ينبغي فهم القراءة بوصفها ممارسة اجتماعية واسعة تتداخل فيها أنماط التلقي السمعي والكتابي، وتتحرك داخل فضاءات المدينة الكبرى مثل المسجد والمدرسة. ومن هنا يؤكد هيرشلر، أن القراءة، في دمشق مثلا، لم تكن دوما فعلا فرديا صامتا، بل كثيرا ما أخذت شكل جلسات قراءة جماعية، تنظم حول النصوص الكبرى، وتعيد ترتيب العلاقة بين العلماء والجمهور، وتسمح بتوسع المشاركة في الثقافة المكتوبة خارج الدوائر النخبوية الصرفة.
في دمشق خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، يمكن تتبع هذا التحول من خلال ظاهرة «جلسات القراءة»، التي أصبحت إحدى أهم الممارسات الثقافية في المجال الحضري. فحين كان كتاب كبير يدخل التداول، لم يكن انتشاره يتم عبر النسخ الفردي والقراءة الفردية فقط، بل عبر سلسلة طويلة من الجلسات التي يقرأ فيها الكتاب شيخ مخوّل، ويحضرها جمهور واسع، ويتلقى المشاركون في نهايتها إشهادا يثبت سماعهم للنص، أو حضورهم لتلاوته. هذه الجلسات، بوصفها ممارسة جماعية، كانت تنتج نوعا من المجتمع القرائي داخل المدينة، يلتقي دوريا لسنوات طويلة، ويتعامل مع الكتاب بوصفه حدثا يتجاوز قيمته العلمية إلى قيمته الاجتماعية والرمزية. ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك ما شهدته دمشق عند تداول كتاب «تاريخ دمشق» لابن عساكر. فقد أصبحت قراءته سلسلة ممتدة من اللقاءات التي اجتمع فيها مئات الأشخاص، وأحيانا بلغ عدد المشاركين في الجلسة الواحدة عشرات عديدة، كما استخدمت مواقع كبرى في المدينة، وفي مقدمتها الجامع الأموي، بوصفه فضاء عاما مفتوحا يتيح حضور شرائح اجتماعية متنوعة. ولذلك لم يعد الأمر مقتصرا على مجال العلماء وحدهم، بل تحول النص إلى نقطة جذب للمدينة بأسرها، وأصبح من الممكن الحديث عن «مدينة تقرأ» لأن فعل القراءة نفسه بات ممارسة حضرية مشتركة.

وإذا كان من السهل افتراض أن هذه الجلسات العلمية كانت حكرا على مجال الحديث النبوي، فإن واقع الشهادات التي دونت أسماء المشاركين يكشف صورة أوسع. فالقراءة الجماعية لم تكن محصورة في نصوص الحديث وحدها، بل شملت نصوصا تتقاطع بين التاريخ والحديث وتستدعي جمهورا متنوعا. وهذا ما يجعل «تاريخ دمشق» لابن عساكر حالة مناسبة لفهم التحول التدريجي في الممارسة الثقافية، فهو كتاب لا ينتمي إلى نوع واحد بشكل صارم، وبالتالي كان قادرا على جذب جمهور مهتم بالحديث، وآخر مهتم بسرد التاريخ والمدينة والذاكرة، فضلا عن حضور من جاء لأسباب اجتماعية أو دينية أو رمزية.
وتكتسب هذه الممارسة أهميتها من أن مصادرها الوثائقية تتيح لنا رؤية دقيقة لما كان يجري. فـ»شهادات السماع»، لم تكتب لتكون سردا أدبيا أو تأملا ذاتيا، بل كانت وثائق وظيفتها تثبيت سلسلة النقل وإثبات الحضور، لكنها، من حيث لا تقصد، تحولت حسب هيرشلر إلى مادة ثمينة لفهم البنية الاجتماعية للقراء. فهي لم تسجل الشيخ القارئ وحده ولا تذكر العالِم وحده، بل تذكر القارئ والمثبت والزمان والمكان، ثم تسرد أسماء الحاضرين. وبفضل هذه التفاصيل يمكن تتبع التحولات الصغيرة التي غالبا ما تغيب عن المصادر السردية الكبرى.
وعند قراءة هذه الشهادات تظهر بوضوح عملية «توسيع المجال القرائي» إلى ما هو أبعد من دائرة العلماء. فهناك فئات من الحرفيين والتجار بدأت تحضر الجلسات بانتظام أو على نحو متكرر، ما يعني أن القراءة لم تعد حكرا على من ينتمي إلى المؤسسة العلمية. ويبدو أن بعض هؤلاء وجد في هذه الجلسات بابا للدخول إلى مجال رمزي يمنح صاحبه مكانة اجتماعية جديدة، أو على الأقل يمنحه اتصالا بمركز المعرفة المعتبر. فحضور فئات مثل النساجين والخبازين وصناع الأدوات والحرفيين الآخرين، يشير إلى أن الكتاب المكتوب لم يعد حكرا على النخبة، بل أصبح قادرا على أن يجذب من يعيشون في اقتصاد المدينة اليومي ويشكلون قاعدتها الاجتماعية الأوسع.
ومع ذلك، فإن هذه المشاركة لا تعني أن الحدود بين العلماء وغير العلماء قد اختفت، بل على العكس، تكشف الوثائق نفسها أن المجتمع القرائي كان ينتج أشكالا من التمييز الداخلي. فثمة جلسات يمكن وصفها بأنها «جلسات علمية» بالمعنى الدقيق: حضور العلماء فيها طاغ، عدد المشاركين محدود، والمكان غالبا بيت الشيخ أو مؤسسة تعليمية أقرب إلى المجال المتخصص. في مثل هذه الجلسات يظهر انتظام الحضور بصورة أكبر، ويحضر الأطفال من أبناء العلماء أيضا، في محاولة مبكرة لدمجهم في شبكة النقل والحصول على «حق الرواية» منذ الصغر. وفي المقابل، كانت ثمة جلسات ذات طابع «شعبي»، بمعنى أنها أكثر انفتاحا على الجمهور الأوسع، تعقد غالبا في الجامع الأموي، ويشارك فيها عدد ضخم من الناس، لكن الحضور يكون في الأغلب متقطعا وغير منتظم، لأن هذا الجمهور ليس متفرغا للالتزام بالقراءة الطويلة التي قد تستغرق سنوات.
ومن اللافت أن الاختلاف بين هذين النمطين يظهر أيضا في اختيار أيام القراءة. فاليوم الذي تفضله الجلسات الأكثر انفتاحا كان الجمعة، لكونه يوم اجتماع عام ولأن كثيرا من الناس يكونون أقل ارتباطا بأعمالهم خلاله، مقارنة ببقية أيام الأسبوع. وهكذا يصبح اليوم نفسه جزءا من بنية القراءة، إذ يتكيف تنظيم النص ومواعيد تلاوته، مع اقتصاد المدينة وحركة العمل فيها. أما الجلسات الأكثر تخصصا فكانت تميل إلى أيام أخرى تتناسب مع إيقاع التعليم والمؤسسات العلمية. وتبدو هذه التفاصيل غير ثانوية، لأنها تكشف، أن القراءة لم تكن فكرة مجردة، بل ممارسة اجتماعية تتكيف مع الزمن والمكان والجمهور. ويكمل المشهد حين نلاحظ أن هذه الجلسات كانت تختلف كذلك في أسلوب القراءة. ففي بعض الأحيان يقرأ الجزء في جلسة واحدة مكتملة، وفي أحيان أخرى يمتد الجزء على أكثر من جلسة بسبب التوقف لشرح العبارات، أو مناقشة المقاطع الصعبة. وبذلك تتغير علاقة الجمهور بالنص، إذ مالت الجلسة الشعبية إلى إنجاز نص واضح ومحدود في زمن قصير، يتناسب مع جمهور غير متفرغ، بينما سمحت الجلسة العلمية بتقطيع النص وفتح المجال للنقاش، ما جعل القراءة أبطأ لكنها أكثر تفسيرا وتحليلا.
في العمق، تكشف التجربة الدمشقية، أن القراءة الجماعية كانت وسيلة لإعادة تنظيم العلاقات داخل المدينة، فالكتاب لم يكن مجرد مادة للعلم، بل كان قناة لبناء روابط بين شرائح المجتمع المختلفة، إذ يجلس العالم والحرفي والتاجر في فضاء واحد حول نص واحد، حتى لو كانت مراتبهم مختلفة. وهذا لا يعني أن الثقافة المكتوبة ألغت التفاوت الاجتماعي، لكنها أنتجت فضاء يسمح بدرجة من المشاركة والتقاطع بين جماعات لا تلتقي عادة في المجال الاقتصادي أو السياسي. وفي هذا المعنى يمكن فهم القراءة بوصفها فعلا يساهم في خلق نوع من «الترابط الاجتماعي» داخل المدينة، لأن الحضور في جلسة عامة للقراءة يخلق تجربة مشتركة ولو مؤقتة، ويؤسس لشبكات تعارف وارتباطات جديدة.
لكن هذا التحول لم يكن دائما سلسا أو مرحبا به، فتوسيع دائرة المشاركين في الثقافة المكتوبة كان يحمل معه توترات محتملة. فبعض العلماء نظر إلى هذا الانفتاح بوصفه خطرا على احتكارهم المعرفي، أو على معيار «السلطة العلمية» التي تضمن أن المعرفة تنقل وفق شروط صارمة. ومن هنا أصبح حضور غير العلماء داخل فضاء القراءة موضوعا يمكن أن يثير القلق أو النقد، لأن توسع الجمهور كان يعني إعادة تشكيل معنى السلطة: من يحدد الصحيح؟ ومن يملك حق تفسير النص؟ ومن يضمن شرعية ما يسمع الناس وما يتداولونه؟ وبالمحصلة، هذا الأمر فتح الباب أمام تشكل جمهور جديد للمعرفة في مدينة دمشق آنذاك.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :