تتجه الأنظار إلى لجنة "الميكانيزم" في لبنان في ظل معطيات متزايدة تشير إلى الإطاحة بها وتعليق عملها، في خطوة تبدو مرتبطة مباشرة بتبدّل أولويات الولايات المتحدة والـ..ـكــ..ــيان الصهـ.ــيونـ.ـي. وممّا لا شكّ فيه أنّ اللجنة وُضِعت في موقعٍ إشكالي منذ تأسيسها، إذ لم تمتلك أيّ تأثير من أجل كبح الاعتـ.ـداءات "الإســـ..ـرائيـلية" المتكرّرة.
يأتي ذلك بالتوازي مع مغادرة رئيس اللجنة جوزيف كليرفيلد إلى الولايات المتحدة عقب الاجتماع الأخير المنعقد في 7 كانون الثاني/يناير الجاري.
ويُعزى هذا التوجّه إلى امتعاض واشنطن و"تل أبيب" من أداء الجيش اللبناني داخل اللجنة، ولا سيّما بعد رفضه الانصياع لإملاءاتهما، وهو ما برز بوضوح خلال الاجتماع الأخير حين شدّد ضباط الجيش على أولوية وقف الاعتـ.ـداءات وانسحاب قوات الاحتـ ـلال وعودة الأهالي إلى القرى الحدودية، وبدء إعادة الإعمار، تمهيدًا لاستكمال انتشار الجيش.
على الرغم من محدودية فعالية لجنة "الميكانيزم"، وما أظهرته منذ تشكيلها من انحيازٍ واضح لمصلحة "إســـ..ـرائيـل"، فإنّ السعي إلى تطييرها يبدو جزءًا من محاولة لفرض مسارات وأطر جديدة تمكّن الـ..ـكــ..ــيان الصهـ.ــيونـ.ـي من تكريس إرادته السياسية والأمنية على لبنان.
من القرار 1701 إلى الاتفاق الأمني
يقول الكاتب والمحلّل السياسي الدكتور وسيم بزي، في حديثٍ لموقع الـ.ـعـ.ـهد الإخباري، إنّ الإطاحة بلجنة "الميكانيزم" لا يمكن فصلها عن مسارٍ متدرّج ومرسوم بدقّة، بدأ منذ فترة، ويخدم في جوهره الأهداف الاستراتيجية للعدو "الإســـ..ـرائيـلي"، مستفيدًا من الغطاء الأميركي المطلق، ومن ضعف الدولة اللبنانية وتراجع دور الضامنين الدوليين، ولا سيّما الأمم المتحدة وفرنسا.
ويشير بزي إلى أنّ كل مرحلة من هذا المسار أدّت وظيفة محدّدة، راكمت مكاسب إضافية لمصلحة الـ.ـعـ..ــدو، إلى أن بات القرار 1701 خارج التطبيق العملي، وأُخرجت "اليونيفل" وسائر الشهود الدوليين من موقع التأثير، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة. ويؤكد أنّ ما يجري اليوم في لبنان يتوازى سياسيًا مع ما جرى في سورية، بعد انكشاف نتائج المسار السوري المدعوم غربيًا، لافتًا إلى أنّ المطلوب هو استنساخ هذا النموذج في الحالة اللبنانية عبر ما يمكن تسميته "باريس لبناني"، يعتمد المحددات نفسها ويسعى إلى الأهداف ذاتها.
وبحسب بزي، فإنّ الهـ.ـدف النهائي يتمثّل بفرض اتفاق لبناني - "إســـ..ـرائيـلي" برعاية أميركية حصرية، يُقدَّم على أنّه اتفاق أمني مرحلي، في ظل إدراك واشنطن و"تل أبيب" أنّ عناوين التطـ..ـبيع ليست قابلة للتسويق حاليًا، رغم أنّ هذا النوع من الاتفاقات قد يكون، بنتائجه، أخطر من التطـ..ـبيع نفسه.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى أنّ لجنة "الميكانيزم"، ورغم انحيازها الواضح لمصلحة الـ.ـعـ..ــدو، تحوّلت إلى عبء بعد أن بات وجود أي شهود دوليين غير مرغوب فيه، ولا سيّما بعدما أثار الجانب اللبناني في الاجتماعات الأخيرة ملفات عودة الأهالي وإعادة الإعمار، ما تسبّب بانزعاج شديد لدى الأميركيين و"الإســـ..ـرائيـليين".
ويختم بزي بالتأكيد أنّ المسألة لا تتعلق بلجنة أو آلية بعينها، بل بمحاولة نقل العلاقة بين لبنان والـ.ـعـ..ــدو إلى مستوى أخطر، محذّرًا من أنّ أي تنازل في هذا المسار سيفتح الباب أمام تنازلات لاحقة بلا حدود، في تجربة تؤكدها الوقائع التاريخية مع كيانٍ لا يرى في الضعف إلا فرصة لمزيد من الابتزاز والفرض بالقوة.
التنازلات الرسمية تشجّع الـ.ـعـ..ــدو على التصـ..ـعيد
بدوره، يؤكد الباحث السياسي الدكتور وسام ياسين، في حديثٍ لموقع الـ.ـعـ.ـهد الإخباري، أنّ "الميكانيزم" التي أُنشئت لضبط وقف إطلاق النار بين لبنان والـ..ـكــ..ــيان الصهـ.ــيونـ.ـي، فشلت في أداء دورها الأساسي، بعدما تحوّلت عمليًا إلى أداة بيد الـ.ـعـ..ــدو، تُستخدم كصندوق رسائل استخباري، فيما جرى توظيف الجانب اللبناني كوسيلة كشف ميداني لمواقع يُشتبه أنّها تشكّل تهديدًا للعدو "الإســـ..ـرائيـلي".
ويشير ياسين إلى أنّ هذه الآلية لم تمنع الـ.ـعـ..ــدوان، ولم تردع الاعتـ.ـداءات المتواصلة، بل استمرّت التهـ..ـديدات في التنفيذ رغم كشف الجيش اللبناني و"اليونيفيل" على المباني أو المنازل المهددة، وصولًا إلى منع الجيش، قبل أيام، من تفتيش البيوت، ما يثبت، أنّ دور "الميكانيزم" قد انتهى فعليًا، بحسب قوله.
ويضيف أنّ المناخ السياسي الداخلي، القائم على تقديم التنازلات، منح الـ.ـعـ..ــدو فرصة إضافية للتصـ..ـعيد بدل التهدئة، مستشهدًا بتصريحات وزير الخارجية يوسف رجي، التي اعتبر فيها أنّ من "حق "إســـ..ـرائيـل" مواصلة اعتـ.ـداءاتها طالما هناك سلا ح"، وهو ما يسقط، بحسب ياسين، أي وظيفة لهذه الآلية، ويمهّد تدريجيًا لفرض خيار المفاوضات المباشرة. ويرى أنّ هذا السلوك الرسمي يشجّع الأميركي و"الإســـ..ـرائيـلي" على التمادي ميدانيًا وفرض الشروط سياسيًا، في ظل عجز الدولة عن رسم أيّ خطوط تحمي السيادة اللبنانية.
ويدعو ياسين السلطة اللبنانية إلى التعقّل والعودة إلى منطق المصلحة الوطنية، مؤكدًا أنّ شعارات الحرية والسيادة والاستقلال يجب أن تبدأ من مـ..ـواجهة الاحتـ ـلال عند الحدود، لا من الداخل. فالسيادة، بحسب تعبيره، تُفرَض على الـ.ـعـ..ــدو قبل أن تُفرَض على أبناء الوطن، والحرية لا تتحقق عبر التضييق على اللبنانيين فيما يُترك الاحتـ ـلال يسرح ويمرح.
ويشدّد ياسين على أنّ أي استراتيجية أمن وطني يجب أن تُبنى على عناصر القوة، لا على تفكيكها، مذكّرًا بالدور المفصلي الذي أدّته المـ..ـقاومة في تحرير الأرض، ودحر الإرهـ.ـ.ـاب، وردع الاعتـ.ـداءات "الإســـ..ـرائيـلية". ويختم بالتأكيد أنّ استمرار نهج التنازلات لن يقود إلا إلى مزيد من الابتزاز، داعيًا إلى التمسك بخيار العقلانية والوحدة الوطنية وصون عناصر القوة التي تحمي لبنان.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :