رحيل الشاعر والصحافي المغربي سعيد عاهد

رحيل الشاعر والصحافي المغربي سعيد عاهد

 

Telegram

الرباط – القدس العربي: مرة أخرى، وحّد الحزن أسرتي الثقافة والإعلام في المغرب، حين رحل الشاعر والمترجم والصحافي سعيد عاهد على حين غرة وفي غفلة من الجميع، معلنا بداية نهاية جيل من الأقلام الصادقة التي زاوجت في مسيرتها بين تعب مهنة الصحافة وشغف الانتماء إلى الإبداع.

ولعل من ميزات القرن الماضي، من بداية الستينيات إلى حدود التسعينيات وربما قليلا من القرن الجديد، أنه أهدانا شخصيات حققت التماهي والانصهار الكلي بين الصحافة والإبداع، وهي ميزة لا يستفرد بها المغرب وحده، بل تميّز كل البلدان العربية.

وجاء خبر وفاة سعيد عاهد في غمرة الحماس الذي يرافق فعاليات كأس إفريقيا «كان المغرب 2025»، وسارع زملاء المهنة وأصدقاء الحياة إلى تقديم واجب التقدير لهذه القامة الإبداعية والمهنية، كما حزنوا لرحيله «المفاجئ»، على اعتبار أن الرجل لم يظهر للعلن أي مؤشرات تدل على ذلك، إذ كان بعيدا عن الأضواء رغم أنه صانعها بمعية زملائه في مختلف الجرائد المحلية والمجلات الثقافية.

وسيبقى يوم السبت عاشر كانون الثاني/يناير لحظة فارقة في الزمن الثقافي والإعلامي المغربي، حين جاء نعي سعيد عاهد، الذي عمل في صحيفة «ليبيراسيون» الناطقة بالفرنسية، وصحيفة «الاتحاد الاشتراكي» وأشرف على ملحقها الثقافي، إلى جانب إصدار أعماله باللغتين العربية والفرنسية، سواء في مجال البحث أو الترجمة أو الأدب والشعر. كما كان عضوا فاعلا في هيئات تحرير مجلات ثقافية كبرى منها: (الرائد، النشرة، آفاق، والثقافة الأخرى).

الراحل، وهو من مواليد سنة 1960، وافته المنية في مدينة المحمدية القريبة من الدار البيضاء، بعد «صراع صامت مع مرض عضال»، مخلفا إرثا غنيا يزاوج بين لغة الضاد ولغة موليير. ومن بين أعماله «قصة حب دكالية» (2007)، و»الفتّان: محكيات من سيرة الروكي بوحمارة» (2013)، و»ذاكرة متشظية» (2014)، و»الجريمة والعقاب في مغرب القرن السادس عشر» (2016).

كما صدرت له عدة دواوين شعرية بالفرنسية، وكان مترجما أيضا، اعتبر الترجمة «فعل مقاومة للنسيان». ومن أبرز أعماله في هذا المجال «طعم المربيات: طفولة يهودية في المغرب» (بول أوري أبيطبول)، و»المغرب كما رأيته» (ماثيلد زييس)، و»التبوريدة: فن الفروسية المغربي» (الطيب حذيفة)، و»خياطو السلطان» (ألبير ساسون)، و»المعتقدات والطقوس الشعبية للمغاربة قبل مائة عام» (الدكتورة ليجي).

ومن بين الكمّ الهائل من التدوينات المحتفلة بكأس إفريقيا ومتابعة المباريات، برز خبر وفاة سعيد عاهد وتصدّر واجهة اهتمامات الأسرتين الثقافية والإعلامية. ورسمت تدوينات زملائه وأصدقائه وعموم المثقفين والصحافيين صورة قريبة للراحل سعيد عاهد، حيث اعتبره المهنيون صحافيا مرجعيا عاصر تحولات الصحافة الثقافية المغربية منذ التسعينيات.

فيما قال عنه المبدعون إنه شاعر ومترجم جعل من اللغة جسرا بين الثقافات (العربية والفرنسية). حتى الفلسفة حضرت في تدوينات النعي، ووصِف بـ «الحفّار الأنثروبولوجي» المهووس بالذاكرة المغربية وتفكيك النصوص. أما إنسانيا، فهو الصديق الوفي، المتواضع، الذي يجمع بين الواقع والحلم.

وفي نعيه للراحل، وثّق اتحاد كتاب المغرب المسار المؤسساتي والنضالي لسعيد عاهد، وقد عبّر عن ذلك «بأسى عميق»، مؤكدًا أنه رحل «بعد معاناة صامتة مع المرض»، ووصفه بالوجه الهادئ والعميق الذي اشتغل في جوهر الفعل الثقافي بعيدًا عن «ضجيج الواجهة»، مراكما حضورا مسؤولا في الصحافة والإبداع.

وتوقف اتحاد كتاب المغرب في بيان النعي الذي اطّلعت عليه «القدس العربي» عند النموذج والمبدأ، مبرزا أن الراحل يمثل نموذج «المثقف المتعدد» الذي آمن بأن القراءة المداومة هي المعلّم الأصدق أثرا، وأن القارئ هو الحكم الأخير.

من جهته، قال بيت الشعر في المغرب، بحزن كبير، وداعا سعيد عاهد، «الأخ والصديق الشاعر والمترجم والصحافي الذي كان قريبا منا ومن أفقنا الثقافي والشعري المدني»، مستشهدًا على خصال النبل والوفاء التي تميّز بها، بمساهمته في اقتراح المجموعة الشعرية «مدارج الدائرة» التي خلّفها وراءه الشاعر الراحل حكيم عنكر قبل أن يختطفه منا وباء كورونا، مؤكدا أن الراحل ركن طيلة حياته «إلى الصمت الضاج بالحكمة».

زميله في صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» عبد الحميد جماهري، اختصر مسافة الوجع برسالة وداع قال فيها: «ما أقسى الخبر (يقصد خبر الوفاة)، وما أقسى عالم لست فيه»، وأضاف بنبرة الحزن نفسها: «يا مخاطبي في الغياب، رحم الله أخًا أدين له بالكثير من نفسي».

أما سعيد منتسب، فقد اختار أن ينعيه إبداعيا، مستعرضا تجربته الثقافية من خلال كتابه «ذاكرة متشظية»، مقدّما رثاء وقراءة في فكر سعيد عاهد. واستهل تدوينته بصدمة الرحيل السريع، واصفا إياه بـ «الناسخ» الذي فكّ اشتباكه مع الحياة بغتة.

كما اعتبر كتابه «ذاكرة متشظية» سيرة ذهنية واعية تعكس فلسفة القراءة كفعل «نسخ» معرفي يفصل بين الشيء وظلّه، ويكشف عن أصوله المرجعية دون تكلّف. وفي رأي منتسب، فإن حديث الراحل عن قامات أدبية وفكرية (كالخطيبي، وإيكو، ولوركا) لم يكن إلا مرآة لاستحضار ذاته، فالعلاقة بينهم علاقة «انعكاس» وتماه فكري، حيث تتحول هذه الأسماء إلى أدوات لرسم ملامحه الشخصية وتجاوزها في آن واحد.

واختتم منتسب بوصف شخصية سعيد عاهد، التي كانت توهم الآخرين بالتحرك في «حفلة مغمورة»، بينما هو في الحقيقة يغنّي ويثرثر ليخفي رغبة عميقة في الصمت والابتعاد عن ضجيج الحياة الذي يؤذي حساسيته.

وبالنسبة للكاتب والصحافي أحمد بيضي، فإن عاهد غادرنا تاركا إرثا غنيا ومسارا حافلا بالوفاء للكلمة، واصفا إياه بـ «فارس الكلمة والذاكرة»، هذا «الناسخ» الذي آمن بأن الكتابة والترجمة جسور لمقاومة النسيان، مخلفا وراءه أثرا لا يمحى في المشهد الثقافي المغربي.

أما الباحث والمفكر محمد مصباحي فقد خصص تدوينته لجدلية (بيخو) «سعيد» و«عاهد»، وبدأ تدوينته، التي جاءت على شكل حوار، بمفارقة تقنية في هاتف الراحل: تطبيقات مجهولة، وصور ورسائل غريبة، تنتهي بمكالمة من مراكش يكتشف فيها سعيد عاهد أنه يخاطب «نفسه» أو ظلّه عبر صديق قديم يناديه بلقب «بيخو».

يطرح مصباحي فلسفة «التوأم السيامي» الملتصق، حيث يبرز الصراع المجازي بين «سعيد» (الإنسان والمبصر للغة كما يصفه رولان بارث) و»عاهد» (المترجم المتفرّد). وفي لحظة مكاشفة سريالية، يلتقيان ليتبادلا الأسئلة حول الهوية والمكان والهاتف الواحد الذي يجمعهما، في إشارة إلى عمق التعقيد النفسي والفكري للراحل.

الفنان رشيد برومي شبّه رحيله «وكأن مدينة الجديدة قد سكنت في غياهب الظلال، وفقدت ضوءها ورونقها في لحظة مفاجئة»، وخاطبه قائلًا: «نمْ قرير العين، صديقي سعيد عاهد، فما زلت أرى آثارك في كل زاوية، وأسمع همساتك بين أشعارك وكتبك، وحتى في صمت البحر الذي لا ينفك يناديك».

الشاعر والإعلامي مصطفى غلمان وصف الراحل بأنه لم يكن مجرد مترجم، بل كان «حفّارا أنثروبولوجيا» يغوص في طبقات التاريخ المغربي المعاصر، كاشفا عن الأنساق الخفية والمنطقة الرمادية التي تتقاطع فيها الذاكرة بالمعرفة.

وبحسب غلمان، فإن النص يبرز أخلاقيات الراحل في التعامل مع الثقافة، فهو صاحب «الذهب الذي لا يلمع» (كناية عن عمق المعرفة بلا استعراض)، وهو الذي حوّل القراءة إلى تمرين أخلاقي، والمعرفة إلى فضيلة منقرضة تتسم بالتواضع وعدم التعالي. ويختم بالتأكيد على أن رحيل سعيد عاهد هو خسارة لطبقة من «الصمت العارف»، وأن غيابه اليوم هو حضور طاغٍ من خلال الأثر العميق والفراغ الذي تركه في وجدان أصدقائه والمشهد الثقافي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram