غزة لا تحتاج شفقة.. بل وقفة

غزة لا تحتاج شفقة.. بل وقفة

 

Telegram

حين ترى الدماء تسيل، والأطفال يُنتشلون من تحت الركام، والأجسام هزيلة من قلة الطعام، قد تدمع عيناك، وتتحرّك في قلبك مشاعر الشفقة والتوجّع، ثم تتحدث عن رغبتك في التبرع لأهل غزة المحاصَرين والمحاربين.

 

ليس المال الذي تخرجه أو الطعام الذي ترسله تبرعاً، بل هو جهاد واجب، لأن الله تعالى يقول: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا ‌بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: 41).

 

غزة لا تنتظر دمعتك، ولا تتغنّى بحزنك! غزة لا ترفع يدها مستجدية، بل ترفعها شامخة بالتكبير، مدافعةً عن شرف الأمة وكرامتها.

 

فلا تُهِنها بأنينٍ عابر، ولا تواسها بكلماتٍ جوفاء، بل قِف معها، قِف لمبادئك، قِف حيث يجب أن يقف الرجال.

 

غزة لا تحتاج شفقة، إنها تحتاج وقفة، فالشفقة لا تبني مجدًا، لكن الوقفة تُسقط الطغيان.

 

الحصار إلى زوال

 

اتخذت قريش في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم تدابير عديدة وإجراءات شديدة للقضاء عليه وعلى دعوته، حيث إن قريشاً تعاقدت على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، وكتبوا صحيفة بذلك، واستمروا على ذلك ثلاث سنوات، حتى اشتد الأمر على النبي وأصحابه.

 

ثُمَّ إِنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَبْلُ فِيهَا أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بن الْحَارِث، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هِشَام بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصِلًا، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ، فَكَانَ يَأْتِي بِالْبَعِيرِ، وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ لَيْلًا، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بِهِ فَمَ الشِّعْبِ خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جنبه فَدَخَلَ الشِّعْبَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بُرًّا فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَشَى إِلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا زُهَيْرُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ، وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ عَلِمْتَ لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَلَا يَنْكِحُونَ وَلَا يُنْكَحُ إِلَيْهِمْ؟ أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الْحَكَمِ ابْنِ هِشَامٍ.

 

ثُمَّ دَعَوْتَهُ إِلَى مِثْلِ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ مَا أَجَابَكَ إِلَيْهِ أَبَدًا، قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ، فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلًا، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ: أَبْغِنَا ثَالِثًا، فَذَهَبَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَقَالَ لَهُ: يَا مُطْعِمُ، أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقُرَيْشٍ فِيهِ؟! أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا، قَالَ: وَيْحَكَ فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِد، قَالَ: وَجَدْتَ لَكَ ثَانِيًا، قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: أَبْغِنَا ثَالِثًا، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ أَبْغِنَا رَابِعًا، فَذَهَبَ إِلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بن هِشَام فَقَالَ نَحْو مَا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: وَهَلْ تَجِدُ أَحَدًا يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَنَا مَعَكَ، قَالَ: أَبْغِنَا خَامِسًا، فَذَهَبَ إِلَى زَمْعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، فَكَلَّمَهُ وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثمَّ سمى الْقَوْم.

 

فاتعدوا حطم الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ، وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَتَعَاقَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا، ثمَّ أقبل النَّاس فَقَالَ: يَا أهل مَكَّة أنأ كل الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يَبْتَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ، قَالَ أَبُو جهل: وَكَانَ فِي نَاحيَة الْمَسْجِد: وَاللَّهِ لَا تُشَقُّ، قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْت وَالله أكذب، مَا رَضِينَا كتَابَتهَا حِين كُتِبَتْ، قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ، لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا وَلَا نُقِرُّ بِهِ قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْهَا وَمِمَّا كتب فِيهَا، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ قُضِيَ بِلَيْلٍ وتشوور فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ، وَأَبُو طَالِبٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ إِلَى الصحيفة لِيَشُقَّهَا فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا إِلَّا ” بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ”.

 

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَلَّطَ الْأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا هُوَ لِلَّهِ إِلَّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا، وَنَفَتْ مِنْهَا الظُّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتَانَ، فَقَالَ: أَرَبُّكَ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فوالله مَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ ابْنَ أخي قد أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا، فَهَلُمَّ صَحِيفَتَكُمْ، فَإِنْ كَانَتْ كَمَا قَالَ فَانْتَهُوا عَنْ قَطِيعَتِنَا وَانْزِلُوا عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ ابْنَ أَخِي، فَقَالَ الْقَوْمُ: قَدْ رَضِينَا، فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ شَرًّا، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَنَعَ الرَّهْطُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ مَا صَنَعُوا.

 

سقط الحصار عن شِعْب أبي طالب، فمتى يسقط عن قطاع غزة؟

 

إن الناظر في هذا الموقف يتأكد له أن الذين تحركوا لنقض الصحيفة وإسقاط الحصار إنما هم الأحرار، الذين لا يرضيهم أن يموت الناس، ولو كانوا على غير دينهم، فهذا مطلب إنساني في المقام الأول.

 

كما يتضح لنا أيضاً أنهم سعوا إلى توظيف ما بينهم من روابط يمكن أن تساعد في جمعهم وتعينهم في تحرير المستضعفين.

 

بل يضيف الموقف بُعداً مهماً في الوقفة الصادقة لكسر الحصار، وهو التخطيط والحشد الذي يصنع الرأي العام المعين على الوصول إلى الهدف النبيل.

 

كل هذا أعان على نقض الصحيفة التي اتفق عليها الطغاة آنذاك، ألا يوجد من الأحرار في هذا الوقت من يسعى لنقض الاتفاق الرهيب على إبادة شعب غزة، براً وبحراً وجواً؟!

 

إن الاحتلال ومعاونيه قد اتفقوا على وثيقة جديدة تقتضي منع الدواء عن الجرحى، ومنع الماء والطعام عن الأطفال والأمهات، ومنع صوت غزة أن يصل إلى العالم! إنه حصار يخنق الحياة، ويطعن في إنسانية العصر.

 

إذا كانت غزة لا تحتاج إلى شفقة، بل وقفة، فما الوقفة المطلوبة؟ إنها الوقفة التي تُرضي الله، وتواسي المظلوم، وتخزي العدو، وتعيد الأمة إلى موضعها الطبيعي في ساحات العزة.

 

إنها الوقفة بالدعاء الصادق، والكلمة الرافضة للظلم، والجهاد والإغاثة بالمال والطعام والشراب، والمقاطعة لكل من يدعم الاحتلال، والتحريض المشروع ضده، والسعي لجمع الكلمة ووحدة الصف، والثبات على طريق الدعم والصمود حتى يسقط الحصار، وفتح المجال لاتخاذ التدابير والإجراءات التي تسقط الاحتلال وتردعه.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram