توصلت دراسة نفسية حديثة أجراها باحثون من معهد مانموهان التذكاري للعلوم الصحية في كاتماندو بنيبال، ونُشرت في مجلة “بلوس ون” (PLOS One)، إلى أن أنماط التربية المختلفة تترك أثراً بالغاً، إيجاباً أو سلباً، في الصحة النفسية لدى المراهقين.
وتُعد مشكلات الصحة النفسية من أبرز التحديات الصحية عالمياً، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من مليار شخص حول العالم يعانون من اضطرابات نفسية متعددة، مع تزايد المخاطر بين فئة المراهقين والشباب. ويُصنف الانتحار كثالث سبب رئيسي للوفاة بين الفئة العمرية من 15 إلى 29 عاماً، ما يجعله تهديداً خطيراً لصحة الشباب على مستوى العالم.
وفي إطار الدراسة، أجرى الفريق البحثي مسحاً شمل طلاب عشر مدارس في نيبال، بلغ عددهم النهائي 583 مراهقاً بعد استبعاد من لا يملكون أولياء أمور
وتراوحت أعمار المشاركين بين 10 و18 عاماً بمتوسط عمر 15 عاماً، وشكل الذكور نحو 60 في المائة من العينة. وركزت الدراسة على تحليل العلاقة بين أنماط التربية المختلفة، وهي الحازمة والسلطوية والمتساهلة، ومؤشرات متعددة للصحة النفسية
وطُلب من المشاركين استكمال استبيان مكوّن من أربعة أقسام، تناول القسم الأول البيانات الاجتماعية والديموغرافية للطلاب وأسرهم، ومستواهم الأكاديمي، والمستوى التعليمي للوالدين. أما القسم الثاني فاختص بتقييم نمط التربية السائد داخل الأسرة، بينما ركز القسم الثالث على الحالة النفسية للمراهقين، بما في ذلك الاكتئاب والقلق والتوتر. وتناول القسم الرابع قياس مستويات تقدير الذات والثقة بالنفس.
وأظهرت البيانات أن نحو 84 في المائة من الأمهات و96 في المائة من الآباء تلقوا تعليماً رسمياً، وغالبية أولياء الأمور حاصلون على شهادة الثانوية العامة.
كما تراوح الدخل الشهري لمعظم الأسر بين 107 و214 دولاراً، ما يشير إلى أن أغلبها تنتمي إلى شريحة اقتصادية أقل من المتوسط. وأفاد 93 في المائة من المشاركين بأن آباءهم متزوجون، بينما كانت نسبة محدودة من الأسر منفصلة أو مطلقة.
واعتمد الباحثون في تحليلهم على مقاييس نفسية متخصصة، وقسّموا أنماط التربية إلى تربية حازمة، تتميز بالتنظيم وتعزيز الاستقلالية وتحمل المسؤولية، وتربية سلطوية تتسم باستخدام العنف الجسدي واللفظي والعقاب المستمر، وتربية متساهلة تقوم على التدليل والاعتمادية.
كما جرى ضبط جميع العوامل المحتملة المؤثرة في النتائج، مثل العمر والجنس ونوع المدرسة والوضع الاقتصادي والاجتماعي، وعدد الإخوة، ونوعية العلاقات الاجتماعية، والمشاركة في الأنشطة، والتعرض للتنمر.
وكشفت النتائج عن ارتفاع معدلات أعراض الاضطرابات النفسية بين المراهقين، حيث جاء القلق في مقدمة الأعراض بنسبة تجاوزت 40 في المائة، يليه الاكتئاب بنسبة 37 في المائة، ثم التوتر بنسبة قاربت 24 في المائة. ورغم ذلك، أفاد نحو 69 في المائة من المشاركين بتمتعهم بثقة مرتفعة بالنفس.
وبشأن أنماط التربية، تبين أن النمط الحازم هو الأكثر انتشاراً بنسبة 83 في المائة، تلاه النمط المتساهل بنسبة 56.6 في المائة، ثم النمط السلطوي بنسبة 43 في المائة.
وأظهرت التحليلات أن التربية السلطوية ارتبطت بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب وتراجع الثقة بالنفس، في حين ارتبطت التربية الحازمة بانخفاض معدلات الاكتئاب والقلق والتوتر، إلى جانب تعزيز تقدير الذات. أما التربية المتساهلة فقد ارتبطت بارتفاع مستويات التوتر.
وأشارت الدراسة إلى وجود علاقة وثيقة بين عمر الأب والاكتئاب لدى المراهقين، حيث تضاعفت احتمالات الإصابة بالاكتئاب لدى الأبناء الذين يزيد عمر آبائهم على 50 عاماً مقارنة بغيرهم.
وأكدت النتائج كذلك الدور المحوري للعلاقات الاجتماعية الجيدة في تعزيز الصحة النفسية والثقة بالنفس، إذ أظهر المراهقون الذين يتمتعون بعلاقات قوية مع أصدقائهم مستويات أعلى من الثقة. وبرزت المشاركة في الأنشطة، لا سيما الرياضية، كعامل إيجابي يسهم في تحسين الصحة النفسية.
وفي ختام الدراسة، شدد الباحثون على الأهمية الكبيرة لأسلوب التربية في حماية المراهقين من الاضطرابات النفسية ودعم استقرارهم النفسي، مؤكدين أن الممارسات التربوية الإيجابية تنعكس بصورة مباشرة على سلوك الأبناء وثقتهم بأنفسهم، إلى جانب الدور الأساسي للدعم النفسي المقدم من الأسرة والأصدقاء والمعلمين.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :