حملة سوريّة على برّي

“غزوة الأحد” التي نفذها عناصر من حركة أمل، لم تقتصر مفاعيلها على نزعِ أعلام ليبيّة عن عماويد الإنارة بعد أن رُفعت قبل أعوام في واحات الإعلامِ الأخضر “طولاً وعرضاً”، بل كان لها مفاعيل سياسية مثلّت تنفيذ الشّق الأول من تهديد “ما تجربونا” الذي أطلق نفيره العام رئيس المجلس نبيه بري قبل أيام.
ثمّة من رأى أن تحرّك الأحد لم يكن سوى “بروفا” لم هو آت في حال إستمرّ الهرج والمرج بين بعبدا وعين التينة على ايقاعاتٍ شتّى وليس على جسدِ القمة الإقتصادية فقط، سيّما بعد أن لقّحهُ الوزير جبران باسيل بحقنة ما زالت اضرارها تقدّر حتّى الآن.

على هذا الإيقاع أعلنت طرابلس الغرب ليلاً أنها حزمت أمرها مقرّرة مقاطعة القِمة التنموية الإقتصادية في بيروت، ليس إستجابةً للضغوطات التي تُمارَس عليها أي نحوها، بل من باب التمهيد لقطع العلاقات مع لبنان، وفق ما أوصلَ مصدر عربي رفيع إلى منزل مرجعية رئيسيّة يوم أمس.
الكلام استدعى تأهُب المرجع المذكور، ليس لأن المسألة ليبيّة، بل بسبب إحتمالِ عدم اقتصار القاعدة على طرابلس الغرب، التي قد تجدُ من يدعمُ موقفها المقاطع، معنى ذلك توسُع دائرة المقاطعين لتشمل دولاً اخرى، سيّما وأن المواجهة لم تعد تخاض بين تيار حزبي وبين دولة، بل بين مسؤولين شرعيين في دولة، وجناب دولة أخرى يُحمل نظامها الحديث وزرَ ما اقترفهُ معمّر
عند هذه الحدود يحاولُ القصر الجمهوري إنقاذَ القمّة الإقتصادية التي يرى فيها فسحة أمل، لكن وزيره المفوض الذي يجدرُ وصفه بـ”صاحب السّمو”، لم يعُد يترك للقصر مجالاً لحفظ ماء الوجه أو إنقاذ ما يمكن انقاذه، مع إستقدامه وإستخدامه تصريحاتٍ “إستفزازية” تنمُ عن جهلٍ وقصرِ نظر، لا تخدم وجهة نظر الرّئاسة بل يجر الفئة الرمادية التي نصبت نفسها في موقع الحياد بين الطرفين، إلى داخل ميدان المعركة.
على أي حال، فالإتهام الموجه إلى الرّئيس بري من وراء إفتعال الأزمة مع ليبيا، يرتبطُ بـ”دفعات سلف” يقدمها إلى دمشق التي لم يأخذ العرب بعد قراراً بدعوتها إلى القمّة. فمن جانب، يحاولُ بري استمالةِ عاصمة الأمويين مجدداً، الغاضبة منه من جراء موقفه الرمادي من الأزمة السورية إلى ما يقاربُ الخمسة أعوام، ومن جانبٍ آخر يريدُ إعادة ترتيب الأوراق ونزع الغضب السوري الذي خلَفه ملف هنيبعل القذافي الذي خُطِف من دمشق وكان له أن قصم ظهر البعير.
ومن المعلوم، أن علاقة الرّئيس بري مع دمشق، مرّت وتمر بفتور، لم ينسحب فقط على العلاقة مع ممثل الدبلوماسية السورية في بيروت، بل وصلَ إلى دمشق، وهو ما سمعهُ أحد الزوار الدائمين الذي يمكث لأيامٍ في العاصمة السورية، على شكلِ موجات غضبٍ صوتية أكثرها شدّةً ملف “هنيبعل” الذي تعتبرهُ دمشق “وديعة وأمانة عند بري تريد إستردادها”.
أصحاب نظرية “دمشق مقابل طرابلس” يدّعون أن بري حاول من وراءِ نبش ملف ليبيا أن يساوم بين دعوة دمشق إلى قمّة بيروت ودعوة طرابلس الغرب، على قاعدةِ التسوية -أي واحدة بواحدة-، لكن ردود الفعل أتت عكسية، فتلازمت مع طرابلس الغرب وابتعدت عن دمشق، وهو ما أذهبَ الأمور نحو التّصعيد بعد أن بلغت الأمور الحائط المسدود.
الأمرُ الذي يُعَد لافتاً ويفوقُ بأهميته درجات المواجهة البرّية – الليبية، هو الذي تنقله مصادر زوار العاصمة السورية، ما يوحي أن الأخيرة “غير مكترثة بالوضع الناشئ في بيروت من وراء القمّة وأسباب الخلاف حولها” وهذا ينسحبُ على قرار بري المواجهة وفق قاعدة “دمشق مقابل طرابلس الغرب”، فالمؤكد الذي ينقله هؤلاء، أن العاصمة السورية وجدت نفسها غير معنية بالمشاركة طالما أن قراراً لم يصدُر بعد ويعيد عضويتها إلى الجامعة العربية “وفق الأصول” أي “تصحيح الخلل الذي افتُعِلَ عام ٢٠١١”.. و “طالما أن هذا القرار لم يُحَرَر بعد، فنحن لا يعنينا كل ما يجري”.
بالإضافةِ إلى هذا، وعندما كان الرّئيس بري ومن خلفهِ نوّابه وأنصار “أمل” يشنون الحملات على ليبيا، ومنهم من كان يتغزل بدمشق، أتى الرّد من عاصمة الأمويين غريباً من حيث الأسلوب والتوقيت. فحين سُرِب عن الرّئيس بري قوله أنه “لا يشارك في إجتماعٍ برلماني عربي لا تُدعى إليه سوريا”، شنّت صفحات موالية للنظام عبر مواقع التواصل الإجتماعي، حملات على رئيس المَجلس، شاركَ فيها نشطاء سوريون.
هؤلاء حملوا رسائل إستياء وإمتعاض مخلوطة بين الهجوم والنقد، طاولت رئيس مجلس النّواب اللبناني، متساءلين عن موقفه من الحرب في سوريا، الذي دامَ غيابه عنها اكثر من ٥ أعوام وعن موقفه من النظام يومها وليس الآن، وطبعاً، لم ينسَ هؤلاء تذكير الرّئيس بري بالعلاقة السّابقة التي نسجها مع دمشق ودورها في تمكينهِ من ما وصل إليه في لبنان، ومواقفه السّابقة منها.
طبعاً، فإن الأمور في سوريا تحتملُ التأويل، خاصّةً وأن حركة من هذا النوع فيها إشارات تنظيم كافية، لا يمكنُ حملها إلّا من أبٍ شرعي واحد، ولا يجوزُ إعتبارها حالة استثنائية أو شاذَة أو غير وليدة لحظة سياسيّة ما، أو أنها غير نابعة من نية في توجيه رسالة، ما يقومُ إلى اعتقادٍ راسخٍ أن ما حملتهُ صفحات تلك المواقع، تحمل دلالةٌ ما، سورية المنشأ، عنوانها الرّئيس بري.
وما دامت الأمور كذلك، فهذا يعني أن ما عمل على تسليفه لسوريا، لم يفِ غرضه بعد، وما يسلفُ إلى النظام الليبي الجديد، لا يرتبط بمسألة البحث عن مصير الإمام السيد موسى الصدر، بل لهُ أبعادٌ أكثر اتساعاً وشموليّة، يجبُ أن يُسأل عنها الرّئيس عون.

ليبانون ديبايت

(إن كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)