القواتيون المعارضون للمشاركة: سلّمنا بكل شروط باسيل

على رغم أنّ قرار القوات اللبنانية بالمشاركة في الحكومة، كان مُتخذاً مُسبقاً، إلا أنّ اجتماع «تكتل الجمهورية القوية» شهد نقاشاً «خجولاً» من فريق يُعارض القرار. حجتهم الرئيسية: التسليم لجبران باسيل والتنازل له، والانعكاس السلبي شعبياً

قرار المُشاركة في الحكومة، كان محسوماً لدى دوائر حزبية عدّة في القوات اللبنانية، منذ أن سلّمها رئيس الحكومة المُكلّف سعد الحريري عرضه الأخير، وهو القبول بحقائب الشؤون الاجتماعية والعمل والثقافة ومنصب نائب رئيس الحكومة. لمس سمير جعجع جدّية الحريري السير بتشكيلة وزارية، أيّاً يكن موقف القوات اللبنانية منها، فتوصّل إلى أنّ «المصلحة» تقتضي السير بالقافلة. ولكن لأنّ «الديموقراطية» سمة أساسية في العمل داخل «القوات»، دُعي أعضاء «كتلة الجمهورية القوية» أول من أمس إلى اجتماعٍ، بيانه الختامي جاهزٌ. ما نوقش على مدى ساعتين، كان القرار المُتخذ مُسبقاً، وهو المشاركة في الحكومة. معظم الذين حضروا اللقاء، من نواب ووزراء حاليين وسابقين، أيّدوا خيار القيادة. أما الرأي الآخر، فاكتفى بالتعبير عنه النائب جورج عقيص والنائب السابق إيلي كيروز. شكّلا أقلية داخل كتلة تُفضّل البقاء في «منطقة الراحة السلطوية»، ولكنّهما ليسا أيّ شخصيتين في «القوات». كيروز هو «رجل الظلّ» القواتي، وفي الوقت عينه «عقل ستريدا جعجع» وأحد المُنظرين الأساسيين داخل الحزب. أمّا عقيص، فهو الرجل الآتي من خلفية قضائية، والذي تُعوّل عليه قيادة معراب ليكون وجهها التشريعي في المرحلة المقبلة. لذلك، حين يُقدّم كيروز وعقيص مطالعات حول أهمية خيار المعارضة، لا يُفترض أن يتعامل معه جعجع بلا مبالاة.

حُجج رفض المُشاركة في الحكومة، كانت عديدة لدى عقيص وكيروز. تحدّثا عن اعتبارات داخلية، «كالتسليم بكلّ شروط الوزير جبران باسيل. سلّفْنا التيار الوطني الحرّ في كلّ شيء، في حين أنّهم لم يُسلفونا بمطلبٍ واحد». النقطة الثانية تتعلّق بتصعيد القوات اللبنانية في المواقف طوال الأشهر الستة، «لنقبل في النهاية بحصّة لا تتلاقى مع شروطنا». لذلك، «لا يجب أن نُقدّم لأحد غطاء المشاركة، ناهيك بأنّنا سنخسر شعبياً». وقد أطلع عقيص زملاءه في الاجتماع، على رسائل شعبية تلقاها، تدعو القوات اللبنانية إلى عدم المشاركة في الحكومة، من أجل تدعيم موقفه. يعتقد الرأي المُعارض للدخول في الحكومة، أنّ التنازل سينعكس على القاعدة الحزبية، «ما الرسالة التي نُقدّمها للرأي العام؟ أنّنا أخذنا فقط منصب نائب رئيس الحكومة وخسرنا بقية الوزارات؟ ما الفرق الذي بإمكاننا إحداثه بوزارات كالثقافة أو العمل وحتى الشؤون الاجتماعية؟». أما دولياً وإقليمياً، «فما المصلحة لنا بالدخول في حكومة مع حزب الله فيما ستشتدّ العقوبات الأميركية ضدّه؟». أصحاب هذا الرأي، على رغم كلّ ما حصل، لا يزالون يراهنون على السعودية. فالبقاء خارجاً، سيحظى بدعم الأخيرة «التي ستنتهي أزمتها مع المجتمع الغربي (على خلفية قضية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي) وستعود قوية». لكلّ هذه الأسباب، الأفضل أن «نتعامل مع البقاء خارج الحكومة بإيجابية، من أجل الانكباب على العمل الحزبي الداخلي، بعد أن أظهرت الانتخابات النيابية تحسن وضعنا مسيحياً بشكل كبير، في مقابل تراجع التيار الوطني الحرّ شعبياً وبخاصة على مستوى الطلاب». سيُساعد ذلك «القوات» على المُشاركة في انتخابات الـ2022 «كمعارضة وبشكل فعّال».

حاول الوزير ملحم رياشي التوفيق بين المُشاركة في الحكومة وتسجيل موقف مُعارض للحقائب المعروضة على القوات. فطرح خيار الحصول على أربعة وزراء دولة، «ليكون تمثيلنا داخل مجلس الوزراء سياسياً»، أو طلب ثلاثة وزراء دولة وحقيبة واحدة هي البيئة «لأنّه يُمكن من خلالها أن نُحدث فرقاً». سقط هذا الطرح خلال النقاشات، لأنّ الأكثرية كانت مُعارضة له. وفي النتيجة، غلب الجوّ الذي عبّر عنه رئيس الحزب ومعظم النواب والأمينة العامة شانتال سركيس، التي «دفشت» كثيراً باتجاه المشاركة في الحكومة.
برّر الداعون إلى المشاركة في الحكومة بأنّ «المعارضة هي انتحار استراتيجي. في لبنان، يغيب مفهوم الموالاة والمعارضة. جرّبنا البقاء خارج السلطة، ولم يفدنا بشيء. وعلى العكس مما يُحاول البعض تصويره، نحن لم نتنازل لباسيل، بل الامتناع عن المشاركة كان سيكون أكبر انتصار له». ولكنّ القوات اللبنانية رفعت سقف خطابها وشروطها، مؤكدة أنّها لن تُشارك في الحكومة في حال لم تُلبَّ مطالبها. أساءت إدارة المعركة، وأسندت ظهرها إلى جبلٍ وهمي اسمه السعودية، مُعتقدةً أنّ إشارةً من وليّ عهدها كفيلة بجعل الرئيس المُكلّف سعد الحريري يخيط حكومة على قياس جعجع. ما تبيّن أنّ الطريق لم يكن مؤمّناً. يبرر الداعمون لخيار المشاركة ما تقدّم قائلين: «ماذا نفعل إن كنّا نوعَد بحقائب مُعينة، قبل أن نُترك وحدنا؟ القاعدة ستتفهمنا، وواجبنا أن نُشارك في مجلس الوزراء لنُقدّم النموذج الإيجابي ونسهر على قضايا الناس».
على الأرجح، قد يتمكن جعجع من تحويل انتكاسته في الحكومة، إلى انتصار لدى جماعته بعد فترةٍ قصيرة. ولكن، قبل الوصول إلى هذه المرحلة، عليه أن يتعامل مع مجموعات قواتية في عدد من المناطق (ومن بينها بشرّي) ممتعضة من طريقة إدارة المفاوضات ومن آلية اختيار الوزراء. البند الأخير كان على طاولة اجتماع التكتل أول من أمس. حول هذه النقطة انقسمت الآراء أيضاً. الفريق الأول يقول إنّه «من الواجب اختيار شخصيات تقدر أن تواجه سياسياً وتتعامل من الندّ إلى الندّ مع «الأقطاب» داخل مجلس الوزراء، كجبران باسيل وعلي حسن خليل». والأسماء المختارة (غسان حاصباني، كميل أبو سليمان، ريشار قيومجيان، مي شدياق)، بحسب قواتيين، «غير قادرة على لعب دور المواجهة في الحكومة، إما لعدم امتلاكها خبرة سياسية ووزارية، وإما لأنّها صاحبة صوت مرتفع من دون فعالية». أما مؤيدو خيارات جعجع، فيدافعون عن الأسماء المرشحة، معتبرين أنّ «الصقر من يكون دارساً ملّفه جيّداً، ويطرح أفكاره بشكل واضح وحازم. ليس المطلوب خوض معارك داخل الحكومة».

الاخبار

 

(إن كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)