الهدف التركي – الأمريكي القاتل

من منّا لا يتذكر قصة الأزمة البريطانية – الروسية المفتعلة، مارس/آذار 2018، وكيف أن اتهاماً سياسياً من لندن بمحاولة موسكو اغتيال الجاسوس الروسي، سيرغي سكريبال وابنته، بمادة سامة غير معروفة وكيف اندفعت السياسة الأمريكية نحو تحريض الدول الأوروبية على طرد الدبلوماسيين الروس من أراضيها، حيث قامت أكثر من 19 دولة، بما فيهم كندا أيضاً، بطرد أكثر من 90 دبلوماسياً على ضوء الإتهامات البريطانية الموجهة من برلمانها. هذا الإجراء، دفع بالمتحدثة بإسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، للقول علناً إن ما قام به البرلمان البريطاني يعد “مهزلة” سياسية.

لقد كانت المحصلة واضحة. إنها محاولة للجم التمدد الروسي وإبطاء اندفاعه حيث أمكن ارضاءً وتعويضاً عن الفشل الأمريكي في سوريا.

الآن، نرى ردة فعل باردة من قبل الجميع في مسألة الصحافي جمال خاشقجي، حتى ما يسمى بجمعيات حقوق الإنسان على مختلف ألوانها والتي كانت تولي اهتماماً كبيراً للساحة السورية إذ تبدو شبه صامتة. فقط اللاعبين التركي والأمريكي يتناولان المسألة من خلال مصالحهما المشتركة، فالأمر واضح. بمجرد اختفاء الصحافي السعودي، بدأت الروايات التركية حول اختفائه ومقتله وتظهير الإتهامات السريعة ضد النظام السعودي كمتورط.

هل فعلاً كان الخاشقجي يبحث عن قلب النظام في المملكة العربية السعودية فاستفادت المخابرات الأمريكية من طموحه ليتم استدراجه إلى اسطنبول للإستفادة القصوى من القضية؟ وبالتالي وافقت تركيا على استخدام ملعبها لتحقيق أهداف إضافية يمكن الإستفادة منها لإرضاء الأمريكي من جهة، وابتزاز السعودية من جهة أخرى، ولأخذ دور أكبر في الملف السوري؟

لما لا، فتركيا تعتبر ثاني دولة عالمياً في قمعها للصحافة والرأي المعارض ولا ضير في ذلك، فبعض دول الخليج ليست أفضل حالاً، وسياسة ترامب تبحث عن المال ولا شيء غير ذلك مع حفاظها على نظام الحكم في السعودية، وهذه سياسة دأبت عليها الإدارات الامريكية المتعاقبة، من الرئيس روزفلت إلى الرئيس كندي وصولاً إلى يومنا هذا، في مقابل قيام السعودية بدور مهم، من خلال الأموال الهائلة الناتجة عن النفط، في تحريك عجلة الإقتصاد الأمريكي.

إن المشهد اليوم يعتبر أكثر تعقيداً في الرياض، فدورها يتراجع، في سوريا تحديداً، أمام “دهاء” أنقرة، الذي لم يترك ثغرة إلا واستفاد منها على حساب السياسة السعودية التي تواجه كثيراً من الصعوبات الإقليمية، مثل حرب اليمن وحصار قطر والعلاقات “المتقلبة” مع الكويت.

فيما يتعلق بمسألة خاشقجي، على ما يبدو أن الدبلوماسية التركية لن تتنازل أمام خطأ بحجم اختفاء شخص مهم على أراضيها سيما وأنها تسعى جاهدة إلى تلميع دورها الإنساني من خلال إطلاق القس الأمريكي، آندرو برونسون، في هذا الوقت بالذات بدون شروط مسبقة بعد أن كرر الرئيس التركي أمام وسائل الإعلام أنه لن يطلق سراح هذا “الجاسوس” طالما بقي في سدة الرئاسة.

هذا الإجراء بدوره، يوحي بأن تركيا يمكن لها أن تلتف إلى “الشريك الروسي” علها تحصل على مكاسب أكثر، فكل المؤشرات في إدلب تشير إلى أن مفاتيح المجموعات المسلحة موجودة في خزنة أنقرة وعلى الروسي أن يقدم مغريات أكبر لها، وذلك استناداً إلى التصريحات التركية حول ملف التسوية السورية وخاصة بعد اختفاء الخاشقجي.

إن الأيام المقبلة القليلة سوف تكشف مزيداً من الأوراق الغامضة والضغط التركي – الأميركي، بل وقد تكشف مزيداً من استعمال أدوات “الإبتزاز” السياسي والمالي حيث تمتاز، وإن لم نقل تنفرد، واشنطن بمهارة استخدامها.

سيتا