في المقالة المنشورة في جريدة النيويورك تايمز عن العلاقات مع السعودية يبدو مصير جمال الخاشقجي تفصيلاً صغيراً، حيث الكلام من عيار الدعوة لعزل ولي العهد محمد بن سلمان ووصفه بالمجنون وشنّ حملة عنيفة على ما وصفته بأكاذيب الإصلاح ومكافحة الفساد وادعاءات حماية الحريات، مشيرة إلى تورط الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعائلته بفساد بن سلمان، بينما الكلام الصادر عن مصدر سعودي مسؤول وما تبعه من شروحات الصحافي تركي الدخيل، يقول إن إبن سلمان هو المصدر المسؤول وهو المصادر القريبة من صنع القرار التي أشار إليها الدخيل، ومن عيار كلام الدخيل بالردّ على التهديد بما هو أشد منه، يبدو أن التلويح بعقوبات أميركية على السعودية يؤخذ على محمل الجد من قبل إبن سلمان، ويبدو الرد انقلاباً في المعادلات الإقليمية والدولية، وموقع السعودية فيها، تحالفات وخصومات، عدا عن التلويح بتفجير أزمة نفط عالمية.

– ليس عادياً أن تلوّح السعودية بالتحالف مع إيران وحماس وحزب الله، وبناء قواعد عسكرية روسية، ولا هو بحجم أزمة اختفاء الخاشقجي. فالواضح أن الأزمة الأميركية السعودية على خلفية الفشل السعودي في حرب اليمن وفي صفقة القرن، واقتراب موعد بدء العقوبات المشددة الموعودة على إيران، التي كانت جزءاً من سلة التزامات أميركية لتسهيل صفقة القرن، وإيفاء أميركياً بالتزامات طلبتها السعودية و«إسرائيل» لتيسير التحالف بوجه إيران وحلفائها، ومع وضوح الفشل السعودي بإيجاد الشريك الفلسطيني في التنازل عن القدس وحق العودة تموت صفقة القرن، ومع ثبات روسيا إلى جانب إيران في سورية وتوضيع شبكات صواريخ الـ«أس 300» تفقد «إسرائيل» قدرة التأثير في توازنات المنطقة، بعدما صار سلاحها الجوي أداتها الوحيدة للتأثير، ويبدو واضحاً أن العقوبات الأميركية المنتظرة على إيران لا تجد شركاء دوليين وإقليميين ما يعرّضها للفشل المسبق.

– الواضح أيضاً أن واشنطن تدخل مرحلة التحضير لأوراق زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي إلى موسكو حيث سيرسم مع القيادة الروسية معالم نظام إقليمي جديد، يبدو الدور التركي فيه متقدماً، والدور السعودي إلى تراجع. والأهم أن الخيار السعودي الإسرائيلي القائم على المواجهة هو الذي يتراجع، والخيار التركي القائم على الانخراط بالتسويات هو الذي يتقدّم، كما هو واضح بالمقابل أن قضية الخاشقجي سياسياً تقع على خط تماس تركي سعودي، بمثل ما وقعت قضية القس الأميركي أندرو برونسون على خط تماس تركي أميركي.

– المهم هو أن التلويح السعودي بإحداث انقلاب اقتصادي وسياسي واستراتيجي وعسكري، يقول أولاً إن الأزمة كبيرة، ويقول ثانياً إن القيادة السعودية تدرك عميقاً أن خلافاتها مع إيران وقوى المقاومة لا تنبع من مصالح سعودية بل من تلبية للمصالح الأميركية، ويقول ثالثاً إن السعودية ليست في خطر من تهديدات إيران وقوى المقاومة بل من واشنطن، وإنها لا تحتاج حماية أميركية من خطر موهوم، ولا هي مضطرة لتحمل ذل الإهانات المتلاحقة، ويقول رابعاً إن السعودية تدرك صوابية وفاعلية ما كانت تدعوها إليه إيران وقوى المقاومة وهي تدرك أنه ليس فوق طاقتها. فهي كما تقول اليوم قادرة على قلب الطاولة بوجه الأميركيين وتغيير قواعد اللعبة دولياً وإقليمياً، والسعودية مطمئنة أنها إن فعلت فستجد ترحيباً من إيران وقوى محور المقاومة، الذين لا يحملون مشاعر شماتة ولا يرون المصلحة بارتماء السعودية في الحضن الأميركي مشفوعاً بالتبعية العمياء ونكهة الذل والهوان، وسيمدّون للرياض يدهم بالتناسب مع درجة جدية ابتعادها عن الالتحاق المذل بالإملاءات الأميركية، ورفضها الاستجابة لفواتير الابتزاز التي لا نهاية لها بداعي الحماية من خطر إيران الموهوم والمزعوم.

– فلتفعلها السعودية وسيكون العرب في خير حال، وفي الطليعة فلسطين، وستصبح السعودية محجة سياسية عالمية.

ناصر قنديل