يتمتع رجل المقاومة بكافة الإمتيازات التي يتمتع بها أسير الحرب. فقبل أن تدون لائحة لاهاي واتفاقيات جنيف حقوق الأسرى والمرضى والجرحى المقاتلين، كان الشعار المرفوع قديماً هو “أن أسير الحرب ليس مجرماً وإنما هو عدو فقط حيل بينه وبين المساهمة في النضال، فيجب أن يحترم ويعامل معاملة الإنسان ما دام أسيراً ويجب أن يطلق سراحه فور انتهاء الحرب.”(1)

لقد جاءت اتفاقية لاهاي منظمة للحرب البرية وضمنت حقوق المقاتلين وتأكدت في اتفاقيات جنيف؛ فتضمنت اتفاقيات جنيف الأشخاص الذين يمكن اعتبارهم أسرى حرب من بين الأطراف المتنازعة إذا وقعوا لدى الأعداء فكل “أفراد القوات المتطوعة وأعضاء حركات المقاومة المنظمة في عداد هؤلاء الأشخاص المتمتعين بحقوق الأسرى.”(2) فعددت مصادر القانون الدولي المذكورة حقوق هؤلاء الأسرى والتي تطبق ليس فقط في حالات الحروب المعلنة، بل في حالات وقوع احتلال كامل أو جزئي لبلد ما.(3)

فمن حقوق المقاومين في الأسر، والتي نصت عليها اتفاقيات جنيف ولاهاي، أنه يجب أن يعامل الأسير معاملة إنسانية لائقة وأن يُحمى من الانتقام، والأعمال المذلة والمُهينة والعنيفة، وأن يوفر له ولشخصه وكرامته الاحترام اللازم، وأن يُسمح له بالاحتفاظ بكل أشيائه الخاصة بإستثناء الأشياء الحربية كالسلاح والخرائط.(4) كما لا يجوز اطلاقاً تعذيب الأسير أو تشويه جسمه أو بتر عضو من أجزائه أو خلق عاهة فيه أو إجراء تجربة طبية أو علمية في جسمه من أي نوع كان. أيضاً، تلتزم السلطة المعتقلة بتقديم الغذاء والدواء والعناية الطبية للأسير حسبما تتطلب صحته ومعالجته مجاناً، ولهم حرية كاملة في ممارسة شعائرهم الدينية.(5)

في المقابل، إن الظروف الحياتية للأسرى الفلسطينيين لا تقارب بأي شكل الحقوق الممنوحة لأسرى الحرب؛ فتتعرض كرامة الأسير ومعتقداته الدينية بشكل خاص لإهانات متكررة من حراسه والجنود المشرفين عليه الذين يجدون فيه متنفساً لكبتهم وتعصبهم، هو ما أكده الجندي الأردني الذي اعتقل، لمدة عشرين يوماً بعد حرب حزيران 1967. ومن الأدلة أيضاً على سوء المعاملة، أن أعلن الفدائيون المعتقلون الإضراب عن الطعام في أيلول 1968 لهذا السبب بالذات(6)، كذلك جملة الإضرابات اللاحقة والتي آخرها كان “إضراب الكرامة” الذي أعلنه القيادي في حركة فتح، مروان البرغوثي، وخاضه أكثر من ألف معتقل للمطالبة بتحسين أوضاعهم الحياتية داخل السجون وتم تعليق الإضراب، الذي دام أربعين يوماً، بعد مفاوضات ما بين ممثلي المعتقلين ومصلحة السجون الإسرائيلية.(7)

إلى ذلك، يحق للأسير في التواصل مع أهله، فيرسل لهم الرسائل والبرقيات ويتلقاها منهم وعلى السلطات المعتَقِلة أن تسهل للأسير ذلك.(8)

إلا أن أهم الصعوبات هي تلك التي تواجه الأسير في مرحلتي الاستجواب والتحقيق؛ فالمعلومات التي يُطلب من الأسير تقديمها، حسب اتفاق جنيف، هي اسمه – رتبته – تاريخ ولادته – رقمه العسكري، وامتناعه عن تقديم هذه المعلومات يحرمه فقط من الامتيازات التي ترتبط برتبته والتي هي مراعاة لمركز الأسير القيادي والعسكري في المعاملة فقط على أن تبقى سائر الامتيازات قائمة ومكتسبة. كما ويجب احترام كرامته الإنسانية والأدبية عند الاستجواب والتحقيق، فكل اضطهاد معنوي أو مادي ضده، بقصد الحصول على معلومات منه أو حمله على التعاون مع السلطة المعتقلة، هو عمل محرم ومحظور.(9)

في هذا المجال، تطلب السلطات الإسرائيلية أكثر من هذه المعلومات، فالمقاتل هو “مستودع معلوماتي” ذات أهمية استراتيجية وتكتيكية تحتاجها السلطة الآسرة فتستعمل، للوصول إليها، كافة أساليب الضغط المعنوي حتى تنتهي إلى التعذيب الجسدي. كما أنها لا تتردد في حالات عدة استعمال المواد الكيماوية، ووسائل غسل الدماغ التي تؤدي إلى إصابة من يتعرض لها بعوارض عقلية تتكرر على فترة زمنية طويلة.(10)

 عند محاكمته، نصت اتفاقية جنيف على أن يكون الاختصاص معقوداً للمحاكم العسكرية للدولة المُعتَقِلة، ولا يجوز أن تكون من اختصاص محاكم أخرى أياً كان نوعها إذا لم تتوافر فيها الضمانات الأساسية المتعارف عليها عموماً من حيث الاجراءات وعدم التحيز، خصوصاً ما لم تكن تكفل له حقوقه ووسائل الدفاع هي توكيل محامٍ مؤهل يختاره هو للدفاع عنه، واستدعاء الشهود، والاستعانة بمترجم إذا رأى ذلك ضرورياً.(11)

غير أن المحاكمة في القانون الإسرائيلي تفتقد لأهم ضمانات المحاكمة العادلة؛ فالقانون الإسرائيلي أعطى المتهم تعيين محامٍ محلي أو إسرائيلي للدفاع عنه، وأوجب تعيين محامٍ من قبل المحكمة إذا كانت عقوبة الفعل المنسوب إلى المتهم يعد “جرماً خطيراً”. كما جاء فيه – القانون الإسرائيلي – ما يعطي المحامي الحق بأن ينقطع عن الدفاع بإذن من المحكمة، ويعود تقدير أسباب الانقطاع للمحكمة بصورة مطلقة. وإذا كان سبب الانقطاع عدم تعاون المتهم مع محاميه، يحق للمحكمة العسكرية إلا تعين للمتهم محامي دفاع آخر إذا رأت عدم جدوى من ذلك، وهو ما يعني، في الواقع العملي، أنه إذا لم يوافق المتهم على ما يريده وكيله سقط حقه بالتمثيل حتى ولو كان جرمه خطيراُ ويستحق عقوبة الموت. كما أن تعيين المحاكم الإسرائيلية لمحامين إسرائيليين للدفاع عن الأسرى العرب فيه انتقاص لحقوق الدفاع لأنه يصعب أن يقاوم المحامي الإسرائيلي عواطفه المعادية لسكان الأرض المحتلة، ويبعده عن تحقيق مصلحة موكله والدفاع عنه بما تمليه عليه مهنته فيكون هذا الموقف مناقض لأهم أسس التوكيل ويعد هذا الحق شكلاً لا محتوى له.(12)

أما بالنسبة لجرحى ومرضى المقاومة، فإن اتفاقيات جنيف حددت الالتزامات الدولية تجاه الجرحى والمرضى من أطراف النزاع، وفرضت واجب العناية والحماية على الجرحى والمرضى الذين يصابون أثناء النزاع المسلح بغض النظر عن جنسياتهم، وألزمت الطرف المسيطر على ساحة النزاع بالعناية بهم ورعايتهم وحمايتهم من كل اعتداء أو ثأر أو انتقام أو إهانة أو إهمال.(13)

كما أوجبت الاتفاقيات المذكورة على أطراف النزاع حماية المنشآت الصحية الثابتة والمتنقلة ومستشفيات الميدان من كل اعتداء، وذلك حماية للجرحى والمرضى وللأشخاص الذين يتولون العناية بهم واشترطت عدم استخدام ذلك لغايات العمليات الحربية.(14)

من هنا، مهما حاولت إسرائيل التنصل من الاعتراف بهذه الحقوق الدولية المقررة فهي ملزمة بها مادياً وأدبياً، تجاه القانون الدولي والضمير العالمي ومهما تنكرت لهذه الحقوق وتحت أي اعتبارات كانت، فإن هذا التنكر هو مخالفة جسيمة لإتفاقيات جنيف الدولية وأحكامها المقررة؛ ومهما حاولت إسرائيل تبرير مخالفتها لهذه الاتفاقيات وبأي حجة كانت، فإن معاملتها للأسرى والمقاومين العرب وجرحاهم، بخلاف أحكامها، هو “جريمة ضد الإنسانية” تخضع لمبادئ العقوبة المقررة في القانون الدولي على إسرائيل، عامة، وعلى مرتكبي هذه الجرائم من سلطاتها وأفرادها، بشكلٍ مخصوص.(15)

ختاماً، لقد حاولنا من خلال هذه الدراسة البحث عن مفهوم المقاومة المسلحة ومعيار التفرقة بينها وبين الحروب الأهلية والإرهاب حتى لا يتم الخلط بين هذه المفاهيم ويؤثر ذلك على القرارات الدولية قصداً من قبل الجماعة الدولية الأقوى. كما كشفنا عن صور المقاومة التي اتبعها الشعب الفلسطيني في تاريخ نضاله ضد الاحتلال الإسرائيلي، ورفعنا النقاب عن قانونية المقاومة المسلحة في فلسطين والأساس القانوني لشرعيتها وما يتمتعه أفرادها من حقوق أقرتها المواثيق والأعراف الدولية حتى لو أنكرها الاحتلال ورفض الاعتراف بها فمن الطبيعي أن لا يرضى احتلال بمن يواجهه بيدٍ من حديد.

لقد أظهرنا أن اغلب القرارات والأحكام الدولية تستند إلى أساس سياسي بعيدة كل البعد عن الاستناد إلى الأساس القانوني، فالمهم أن توافق قراراتها “هوى” كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، فأصبح القانون الدولي “هوائي” يميل حيث تميّلُه إسرائيل.

لذلك، سنضع بعض التوصيات المهمة والتي تتمثل في:

– وضع مفهوم أو تعريف واضح ومحدد للإرهاب حتى لا يبقى مجالاً مفتوحاً لتضع الدول الكبرى من تريده على قوائم الإرهاب ثم تدعي بمحاربتها له في إطار قانوني واهن كـ “بيت العنكبوت” تحارب تحت مسماه من تريد ومتى أرادت.

– تعديل الوضع القانوني للمقاومين ومعاملتهم كأسرى حرب بدلاً من محاكمتهم كإرهابيين أو مخربين وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة. 

– إتخاذ اجراءات قانونية حازمة وجريئة بحق إسرائيل وإحالتها للمحكمة الجنائية الدولية لما ترتكبه من جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني.

سيتا 

(إن كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع )