“أعتقد أن إيران كانت ولا تزال وستظل إحدى القضايا الرئيسية التي تواجه دولة إسرائيل، وأظن أنه كان ينبغي علينا إعداد أشخاص يتمتعون بالمعرفة والخبرة في هذا المجال”، كان هذا ما قاله ضابط أمن الدولة السابق بيني شميلوفيتش.

أتى كلام شميلوفيتش بعدما كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشهر الماضي عن استحواذ وزارة الدفاع على “كمية ضخمة من الوثائق الإيرانية السرية بشأن برنامجها النووي”، معتبراً أن الوثائق بحاجة إلى أن تخضع للترجمة والتحليل بشكل سريع.

أما مناسبة استعادة كلام الضابط السابق فهو ما تشهده إسرائيل من إقبال على تعلّم اللغة الفارسية، وهو إقبال قديم نسبياً، لكن الجديد فيه ما نقلته وكالة “رويترز” عن سعي مدرسة بن غوريون الثانوية لتخريج طلاب متحدثين باللغة الفارسية.

الهدف من ذلك؟ تلبية احتياجات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي تبحث عن مجندين محتملين يتقنون هذه اللغة، وسط حرب آخذة في الاتساع بين تل أبيب وطهران.

الجواسيس المستقبليون

بحسب الوكالة، تدير المدرسة، الواقعة في مدينة “بتاح تكفا”، منذ عام 2015 برنامجاً يتيح لطلبة الصفين 11 و12 التخصص في اللغة والثقافة الفارسيتين، وذلك تحت إشراف شميلوفيتش.

في السابق، اعتادت وحدات الاستخبارات الإسرائيلية الاكتفاء بتوفير دورات تدريبية داخلية لكوادرها في اللغة الفارسية، لكن البرنامج الدراسي الجديد يهدف إلى إعداد الأجيال الصغيرة بشكل مسبق على التعامل مع اللغة والثقافة الإيرانيتين.

وحول ذلك، أوضح شميلوفيتش أن العديد من خريجي البرنامج باتوا يخدمون بالفعل في وحدات الاستخبارات، لافتاً إلى أن إقبال هذه الأجهزة على تجنيد خريجي برنامج دراسي يُعدّ مؤشراً على حاجتها لضم المزيد من المتحدثين باللغة الفارسية إلى صفوفها.

بحسب التفاصيل التي نشرتها “رويترز”، يتخرج كل عام من البرنامج التعليمي نحو 25 طالباً، يكونون جميعاً مرشحين طبيعيين للانضمام إلى وحدات الاستخبارات العسكرية، الذين يُفترض، وفق المشرف على برنامج اللغة الفارسية، أن يساعدوا الاستخبارات في ترجمة وقراءة وتحليل الوثائق الإيرانية السرية التي أطلق عليها اسم “الأرشيف النووي”.

لا يتعلّق الأمر بالاستخبارات فحسب

البرنامج، الذي يحمل عنوان “إيران، الأمن والاستخبارات”، لا يتعلق فقط بالتحضير للحرب مع إيران، حسب الموسيقي الإيراني المولد حنا جهنفوروز الذي يعلّم الطلاب الشعر الفارسي والتاريخ والثقافة.

يوضح جهنفوروز أنهم يقدمون كذلك “التجربة المتعلقة بالنكهات والروائح وكل ما يمت بصلة لإيران كبلد ومواطنين وثقافة رائعة تعود إلى آلاف السنين”.

من جهتها، أوضحت طالبة (17 عاماً)، تحفّظت عن ذكر اسمها، أن البرنامج الدراسي الذي يفتح آفاق الثقافة الإيرانية أمام الطلاب يجعل عقلهم أكثر انفتاحاً، بما يتجاوز احتياجات الأمن القومي.

وأضافت قائلة “أؤمن أن بإمكان البرنامج مساعدتي في المستقبل، ليس عبر طريقة محددة… لكن الطريقة التي أفكر بها الآن مختلفة عن الفترة التي سبقت انضمامي للبرنامج. أشعر أن الأخير مدّني بالأدوات التي تساعدني على التحقيق والفهم والتعلّم”.

ازدياد الحاجة لتعليم الفارسية… لماذا؟

في الخمسينات وبشكل أكبر عقب الثورة الإيرانية عام 1979، شهدت إسرائيل هجرة العديد من يهود إيران إليها، ما ساعد أجهزة الاستخبارات على الاختيار بين مرشحين مؤهلين لتكلّم الفارسية بطلاقة، ويمكن أن يكونوا جواسيس مفيدين لصالحها.

مع توقف هجرة يهود إيران، أصبحت وسائل تعلمها في إسرائيل مقصورة على الانضمام بشكل أساسي إلى الاستخبارات والقيام بدورات في اللغة الفارسية، أو الالتحاق بالفصول الدراسية في المعاهد المختصة بتعليم اللغة، أو الاستماع إلى المحطات الإذاعية الموجهة للمهاجرين من إيران.

لكن في العام الماضي، اجتاز عشرات الطلاب في إسرائيل امتحاناً، للمرة الأولى، في الجهاز التربوي الإسرائيلي حول “تعلم الفارسية والثقافة الإيرانية”.

هذا البرنامج كانت صممته وزارة التربية بالتعاون مع جامعة حيفا، وتضمن مواد حول اللغة الفارسيّة والثقافة الإيرانية إضافة إلى الجغرافيا، التاريخ والعلاقات الدولية الإيرانية.

إضافة إلى ذلك، التقى الطلاب الإسرائيليون يهود إيرانيين. قبل البرنامج، كان في وسع طلاب الثانوية الإسرائيليين تعلم الفارسيّة دون تعلم الثقافة الإيرانية، ولذلك حظي البرنامج الشامل بطلب عال بين الطلاب.

وقال وزير التربية الإسرائيلي حينها نفتالي بينيت إن عدد المواطنين الناطقين والملمين باللغة الفارسية قد انخفض، ولذلك “تساعد معرفة الثقافة وتعلم اللغة المهني في الحفاظ على أمن إسرائيل ودفع التعليم والبحث الأكاديمي حول الموضوع قدماً”، حسب بينيت.

حرب اللغات

في العام نفسه، انتشر خبر عن تعلم الطلاب الفلسطينيين في مدارس “حماس” في غزة اللغة العبرية، للتعرف على ثقافة العدو، لتكون المرة الأولى منذ أكثر من عقدين التي تدخل فيها لغة العدو في المناهج الدراسية.

وتقدّم الجامعة الإسلامية في غزة منهاجاً للحصول على شهادة باللغة العبرية، التي تؤهل المتخرجين لتعليم هذه اللغة في المدارس الحكومية. وأوضحت مديرة البرنامج في وزارة التعليم حينها الأسباب التي جعلت “حماس” تدرج اللغة العبرية في المناهج التربوية بالقول “من الأفضل أن نعرف بماذا تفكر إسرائيل خير من الجهل بثقافة العدو”.

وقبل أكثر من عشرين عاماً، كان العاملون من غزة الذي يحتكون بالإسرائيليين، أو الأطباء مثلاً، يتعلمون اللغة من الممارسات اليومية، ولكن بعد الحصار على القطاع وشبه انعدام الاحتكاك بين الطرفين وجدت الحركة ضرورة في تعليم لغة العدو لتسهيل مواجهته. وهكذا، خلال الحرب المستمرة، يتبادل الطرفان الرسائل بلغة الطرف الآخر من أجل الضغط عليه.

كان هناك بعض الاعتراضات على تعلّم اللغة العبرية في غزة، ولكن مع ذلك تزايد الإقبال على تعلم اللغة العبرية بسبب الصراع مع إسرائيل والحاجة لمعرفتها أكثر من الداخل.

في المقابل، يبقى الحال مع الطلاب الإسرائيليين الذين يسعون حالياً لدراسة اللغة الفارسية أبعد تأثيراً، فرغم طرح البعض فكرة التعلّم من أجل التعرّف على الثقافة الإيرانية بشكل عام، يبقى المحرّك الأساسي هو الجانب الاستخباراتي الذي بات واضحاً بالكلام عن تحضير الطلاب للعمل الاستخباراتي من تجسّس وتجنيد ومدّهم بعدّته الأساسية: اللغة أولاً والثقافة ثانياً.

 

المصدر: رصيف22