حكومة على ذوق ميشال عون أو لا حكومة

حكومة على ذوق ميشال عون أو لا حكومة

بداية لا بدّ من القول إن من يراهن على خشية ميشال عون على عهده من أي تأخير إضافي في تشكيل الحكومة إنما لا يعرف عون من قريب أو بعيد. من يعتقد أن عون سيقبل اليوم وقد أصبح رئيساً بما لم يقبل به قبل أن يصبح رئيساً هو حتماً لا يعرف عون. بوضوح وصراحة أكثر: من يعتقد أن عون سيتنازل بعدما أصبح رئيساً عن المكاسب التي حققها قبل أن يصبح رئيساً لا يعرف عون. وفي السياسة كما في الحرب وكرة القدم إنه لضروري جداً أن تعرف خصمك قبل أن تخطط بهزمه. فلا شك أن التيار الوطني الحر عموماً وعون خصوصاً يواجهون موقفاً محرجاً اليوم أكثر من كل الأفرقاء الآخرين لأن العهد عهدهم أولاً ومن يعولون عليهم ثانياً إنما قطعوا الأمل بسائر الأفرقاء منذ وقت بعيد لكن الواضح وما لا يحتمل الشك أبداً أن هذا شيء، وقبول الرئيس بتشكيل حكومة كيفما كان أو وفقاً لشروط وليد جنبلاط وسمير جعجع شيء آخر.
لقد أظهر الرئيس بعض المرونة حين دعا جعجع وجنبلاط وغيرهما إلى لقاءات معه وسمح للبعض من أهل القصر بالإيحاء أن موقفه من التشكيلة الحكومية إنما يختلف عن موقف الوزير جبران باسيل، لكن الواضح أن أغبياء السياسة اللبنانية لم يتلقفوا الفرصة أو يفهموا عليه.
عملياً لم يفعل الرئيس كل ما فعله من أجل إقرار القانون الانتخابيّ الأخير حرصاً منه على تمثل القوات اللبنانية وفريد هيكل الخازن وغيرهما في جبل لبنان إنما كان هدفه إنهاء الأحاديات السياسية التمثيلية عند السنة والدروز وفضح الحجم الحقيقيّ أخيراً لحركة أمل عند الطائفة الشيعية، ولو على حساب الأحادية العونية في جبل لبنان. وإذا كان الرئيس قد تحمل سخافة من لم يفهموا القانون وابتدؤوا التهليل لانتصار القوات الساحق فيما هي حصلت على مقعد في كل دائرة حصل فيها التيار على ثلاثة مقاعد فإنه كان يعلم أن لبنان يطوي عملياً صفحة بدأت بتعيينات عام 1991 ويفتح أخيراً صفحة جديدة.
عدم إحاطة الرئيس نفسه بفريق يحول دون توضيح الانتصارات البنيوية التي يحرزها ميشال عون يسمح بمراكمة اللغط، لكن لا بدّ اليوم من تحديد ثلاثة عناوين رئيسية يستحيل أن تتخيلوا ميشال عون يمضي في تشكيل الحكومة دون أخذها بعين الاعتبار:
1. انتهى زمن تباهي وليد جنبلاط وتبجحه وتكبره. لم يعد يحتجز المقاعد التي سباها بوصفه المنتصر في حرب الجبل. عون هو من خيط إلحاق الهزيمة الأكبر بأبو تيمور لإعادته إلى حجمه الذي سيصغر أكثر فأكثر مستقبلاً. 9 نواب – وزيرين، دروز أو شيعة أو موارنة أو أرثوذكس أو كاثوليك لا يهم. هذا حجمك النيابي وهذا ما ستحصل عليه، ولتجرؤ على الاعتكاف إذا لم يعجبك العجب. ولا شك أن جنبلاط لا يعلم هنا إن فخامة الرئيس لا ينتظر سماع وجهة نظره أو غيره؛ خياران لا ثالث لهما.
2. انتهى زمن تباهي تيار المستقبل وتبجحه وتكبره وتعيينه نصف النواب المسيحيين. ولا شك أن الحريري الذي بادر إلى بتر من حموا ظهره وفعلوا كل ما يلزم لإعادته إلى لبنان من نهاد المشنوق إلى نادر الحريري لا يفهم معنى أن يكون لديه 18 نائب سني مقابل 9 لخصومه، علماً أن من بين النواب المحسوبين عليه وليد وجيه البعريني وطارق طلال المرعبي ومحمد بعث القرعاوي. انتهت الأحادية وبات للثنائية السنية شرعيتها النيابية بعكس ما كانت الأوضاع عليه أيام الحكومة الميقاتية الثانية. وعليه فليجتمع الحريري مع من يشاء وليصدر ما يشاء من بيانات؛ أكثر ما يكرهه عون هم أولئك الذين يطعنون من يزودون عنهم بظهورهم. وإذا كان الحريري يعتقد أن تحالفه مع العونيين كان سبباً في خسارته يجب إيجاد من يذكره أنه ما كان ليعود إلى لبنان لولا هذا التحالف الذي ألحق بالتيار ضرراً معنوياً هائلاً.
3. كان التيار متحالفاً مع كل من ميشال المر ورئيس الجمهورية في حينه إميل لحود والطاشناق والكتلة الشعبية وسليمان فرنجية والحزب القومي وعدد كبير من رجال الأعمال وبيوتات جبيل وكسروان السياسية الرئيسية من الحواط إلى كلاب إلى القرداحي إلى خليل وزوين وغيرهم وغيرهم وكان يتمتع بعباءة المعارضة ولم يفز بأكثر من 21 مقعد أما اليوم فلم يحافظ من جميع هؤلاء إلا على تحالفه مع الطاشناق الذي خذله في بيروت وزحلة والمتن ومع ذلك فاز أخيراً بـ29 نائب. وإذا كان عون قد قال يومها إنه لن يقبل بأقل من نصف التمثيل الوزاري المسيحيّ فلكم أن تتخيلوا ما سيقوله اليوم. يمكن جعجع ومن معه أن يتخيلوا كل ما يشاؤون: 14 نائب قواتي أقل من نصف النواب العونيين الـ29. يمكن جعجع أن يحسبها كما يشاء، بالنسبة لعون هذا يعني شيء واحد: كل وزير لتكتل القوات يقابله وزيرين وحبة مسك لتكتل سن الفيل.
ما يحصل اليوم ليس تفصيلاً؛ الأمر لا يتعلق بمقعد وزاري بالزائد أو بالناقص للتيار الوطني الحر والقوات؛ ما يحصل اليوم يتوج مسيرة بدأت عام 2005 لتصحيح الخلل التمثيلي الذي بدأ عام 1991 وتعاظم مع الوقت. وليد جنبلاط لن يقبل، سعد الحريري لن يقبل، جعجع لا يقبل بكسر المعادلات التي عملت السعودية سنوات وسنوات لتكريسها؛ لا مشكلة أبداً. لقد ضرب عون ضربة العمر بالنسبة للشعب اللبناني حين جعل الوزير جبران باسيل يتصلب ويعاند ويتحمل كل التبعات لضمان إقرار هذا القانون الانتخابيّ. يعلم عون أنهم يعاندون ويعاندون ومن ثم يرضخون، لقد حصل هذا الأمر مراراً وتكراراً عدة مرات خلال السنوات القليلة الماضية. في كل مرة كانت تتعاظم الحملة: مرة يقولون إنه يعطل البلد لتوزير صهره، ومرة يعطل البلد ويكرس الفراغ وغيره وغيره لينتخب رئيساً، ومرة يعطل البلد ويهدد المؤسسات بالفراغ لإقرار القانون الانتخابي الذي يريد، والآن: يعطل البلد ويدمر عهده من أجل وزير بالزائد أو آخر بالناقص.
عون في بعبدا لا يبالي بهذا كله؛ الضغوط المعيشية أساسية لكن لن يذكر التاريخ من يعالجها فياما سيذكر طبعاً من أعاد وليد جنبلاط وسعد الحريري وحتى نبيه بري إلى أحجامهم الطبيعية. لن تشكل حكومة العهد على ذوق وليد جنبلاط أو ستريدا جعجع أو عقاب صقر؛ حكومة العهد الأولى ستكون على ذوق العهد أولاً وتنسجم مع نتائج الانتخابات النيابية ثانياً. ينتهي العهد حين يقبل بالخضوع لشروط جنبلاط وجعجع وغيرهما اللذين سينتقلان فوراً للمطالبة بالمزيد ما أن يرضخ العهد لابتزازهما. وسواء دام الانتظار أسبوع أو شهر أو عام أو أربع سنوات يكفي أن يسجل عون عدم رضوخه لشروط هؤلاء في تشكيل الحكومة حتى ينتصر سياسياً. بين تشكيل حكومة لا تفعل شيء وفقاً لشروط جعجع وجنبلاط، وعدم تشكيل حكومة أو تشكيلها من دونهما ومن يشاء الالتحاق بهما، لا شك أن أمام العهد عدة خيارات فيما أمام خصومه خيار واحد.

Refresh

(إن كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)

تابعونا على فايسبوك

BEIRUT WEATHER