تشهد الساحة اللبنانية حروباً سياسية متعددة الجبهات منذ ما قبل الانتخابات النيابية. ظن الجميع حينها أنّ سبب اشتعالها يعود إلى الاستحقاق الأخير بغية استقطاب الجماهير. إلا أنّ الوضع زاد تعقيداً بعد 6 أيار الماضي، وما إن تهدأ جبهة حتى تفتح أخرى، لتصبح المعارك من يوميات هذا البلد.

في المقابل، بدا لافتاً الهدوء القائم على خط معراب بنشعي، ما جعل مراقبون يتساءلون عما إذا كان مؤقتاً أم أنه أحد بنود المصالحة، وسط توافق الطرفين على ملفات داخلية عدة. في حين ذهب آخرون إلى تحليل هذا الانسجام، بعيداً عن الملفات الإقليمية، على أنه تصويب على التيار الوطني الحرّ، باعتبار أن الجهتين نالتا نصيبهما منه.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن استحقاق 2022 الرئاسي مقبل، والمواجهة بين رئيسي حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وتيار المردة سليمان فرنجية لا محالة، إلا إذا تم تطبيع العلاقات. لكن حتى ذلك الوقت، يُطرح سؤال عما إذا كان هناك تحركات مرتقبة لتعزيز هذا التوافق.

الأولوية كانت في البداية بالنسبة للفريقين طي صفحة الماضي، وفعلاً نجحا في ذلك، وأظهرت الانتخابات الأخيرة ديمقراطية فعلية في ظل تنافسهما في المناطق الشمالية، الأمر الذي يدل على أن الأمور مستقيمة وجيدة جداً من خلال الاحترام المتبادل، وفقاً لرئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات شارل جبور.

القوات والمردة حزبان مبدئيان للغاية، وبالتالي يدركان تماماً في حالة تقاطعهما الاستراتيجية. وحسناً فعلا أنهما لم يلتقيا انتخابياً للقول إنه حتى لو وجد في لحظة سياسية معيّنة خصم مشترك للطرفين لا يمكن أن يتقاطعا أو يتحالفا، لأن مبدئيتهما هي الأساس في أي تموضع وتحالف نيابي أو سياسي.

وبالتالي، العلاقة بين الطرفين مستقرة ولا عودة إلى الماضي، والأهم أنها فتحت الباب أمام انهاء القطيعة السياسية التي مكّنت الطرفين من التواصل البنّاء والايجابي داخل الحكومة والمؤسسات، بما فيه التقاطع حول ملفات محددة، الأمر الذي يعتبر مسألة إيجابية للغاية، بحسب جبور.

لكن الفريقين يدركان تماماً أنه من الصعوبة اليوم إمكانية تطوير هذا التفاهم في مكان ما، نظراً للاستراتيجية المختلفة بين الجهتين. لكن ما وصلت إليه الأمور لغاية اللحظة “بتاخذ العقل”.

يعدد رئيس الجهاز نقاطاً أساسية توصّل إليها الطرفان بعد المصالحة؛ الاحترام المتبادل، والتواصل المناطقي وداخل المؤسسات، والتقاطع في الأمور الحياتية التي تهم الناس. يبقى أن الموضوع الاستراتيجي يجد صعوبة في ظل الاختلاف والنظرة حول سلاح حزب الله، مروراً بالنظام السوري وصولاً إلى دور الدولة في لبنان الذي يجب أن تكون مركزية ممسكة بسلاحها فقط لا غير.

يكتفي الطرفان بهذا النوع من التلاحم، فلا زيارة مرتقبة بين بنشعي ومعراب في اللحظة الحالية، ولا يوجد ما يستدعي لها، إذ يرى الرجل السياسي القواتي أن المسألة مرتبطة بتطورات الحياة السياسية وربما بأخرى قد تؤدي إلى تواصل، لكن حتى تلك اللحظة اللقاء غير مطروح لدى الطرفين.

على الجهة الأخرى، المردة واضح في علاقاته وهذا ما يُطبّق مع القوات، وما يسهل هذه الأجواء الهادئة هو أن الجهتين متفاهمتان على عنصرين أساسيين يحركان السياسة عموماً، وهما الشأنان الداخلي والإقليمي. والطرفان واضحان في مبادئهما المتباينة. فالقوات خياراته ثابتة ولا ينتقل من خط عريض إلى آخر. بدوره، خط المردة الإقليمي العروبي واضح، ولطالما كان فرنجية ثابتاً في محوره مقتنعاً في خياره ووفياً لقضيته، بحسب عضو لجنة الشؤون السياسية في المردة ميرنا زخريا.

داخلياً، لا يخفى على أحد أنه تم التوافق على ملفات عدة مع القوات، قد يرى بعض المبتدئين أن الدافع لهذا الهدوء هو الوقوف بوجه التيار الوطني الحر. لكن لمن يشاء الغوص في التفاصيل، فإن التقاطُع القائم بين المردة والقوات أعمق من ذلك، أولاً في ما يخص ازدواجية مواقف التيار قبل العهد وبعده حول ملفات عدة منها الكهرباء، ومرسوم التجنيس، والنفايات. ثانياً أحادية القرارات التي ينتقدها الطرفان منها التعيينات القضائية والعسكرية والدبلوماسية، ما يعني أن الطرفين منحازان لقضايا الناس.

وتتوافق زخريا مع جبور في ما يخص اللقاء أو الزيارة المتبادلة، مشيرة إلى أنه لا ضرورة لها إذا لم تدع الحاجة في الوقت الحالي.

الكاتب: فيفيان الخولي
المصدر: ليبانون ديبايت
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)