“ورقة تفاهم” بين حزب الله والحراك المدني

0
6

من يحتك بالدوائر الداخلية في حزب الله يشعر بتغيّر طرأ على تفكيره خلال الأعوام القليلة الماضية، إذ بات يولي الأهمية للمسائل الداخليّة مقارنة بالإقليميّة. البعض يربط هذا التغيّر في سياق مشروع عودة حزب الله من سوريا لكنهم يغفلون انه حين غادر الى هناك لم يكن اصلاً منهمكاً بالشأن الداخلي حتى يعود اليه، لذا لا تصلح المقارنة للتفسير في هذا المقام.

السبب في حصول التبدّل في العقل السياسي للحزب يحسب على التحوّلات الحديثة الجارية، إذ لمست “شورى المقاومة” أن المعارك الحديثة التي ستخاض ضدها لن تنحصر في البعد الامني بل سترعى الابعاد الداخلية المرتبطة بالبيئة، والاشارة إلى انها ستنطلق من شقوق داخلية تتخذ ظواهر عامة أحد أبرزها الشق الاجتماعي الذي خصص له هامشاً كبيراً في مقارعة حزب الله، نسبة لان هذا الشق هو الأضعف من بين نظيراته.

وجد حزب الله في دراسة متأنية أجراها قبل مدّة أن ايلاءه الشق الإقليمي الأهمية القصوى على ما عداه من عناوين ترك ندوباً داخلية. وكان جريئاً حين تحدث عن وجودها خلال فترة الحملات الانتخابية الأخيرة أمينه العام السيد حسن نصرالله وأكثر جرأة إعلانه الشروع في مكافحتها.

ولا ريب إذا قلنا ان نصرالله شخصياً تولّى هذا الملف وجعله من صلب اولوياته وصلاحياته، بل وأكثر. اصدر قراراً بتأسيس لجنة مركزيّة تفرّعت منها لجان صغيرة (مكاتب متابعة) مكلفة البحث فيه قسمت مهامها على عدة اقسام ابرزها ما ارتبط بمكافحة الفساد، ثم ولّى نائبه الشيخ نعيم قاسم اجراء البحث والمشورة مع اهل الاختصاص.

وثمة من يتحسس لدى الحزب او القريبين منه جديةً هائلة في متابعة هذا الملف حتى النهاية وان شابه عوائق وصعوبات.

التغيير محور الحديث يصلح لاعتماده كاستدلال على انقلاب يعيشه الحزب نقله من موقع حزب الله الثاني الذي دخل حيز التنفيذ من خلال الورقة السياسية المعلنة عام 2009، والأول الذي استهل به المشوار عام 1984، حتى بتنا اليوم امام حزب الله بنسخة مختلفة صدرت عام 2018 تموضع فيها الى جانب ملفات لها صلة بمكافحة الفساد ومسائل التطوير الداخلي والاجتماعي.

وكاستدلال على تفعيل اقتراحات “السيد” والبدء بالمشورة مع اهل الاختصاص، فتح حزب الله اتصالات مع ناشطين يحسبون على الحراك المدني وبالتحديد الجهات العاملة او المكافحة للفساد تكلّلت بعقد جلسة مع الشيخ قاسم قبل أسبوع ونيّف ضمّت وفداً حقوقياً واكاديمياً من الناشطين المدنيين بينهم وجوه معروفة في رفع صوت الاعتراض.

وعلم “ليبانون ديبايت” أن الدعوات وجهت إلى 41 ناشطاً وناشطة من كافة المناطق والطوائف بينهم وجوه معروفة واخرى تحسب على بعض مجموعات الحراك الذي برز عام 2015، لكن حضورها كان بصفة شخصية.

وأبلغ الشيخ قاسم الحاضرين أن حزب الله مستعد للتعاون مع ناشطين “لا تربطهم أي علاقة بسفارات اجنبية أو منظمات او جمعات ذات شبهة”، ما يدل على ان الحزب ركن في توزيعه الدعوات على داتا معلومات يملكها حول النشطاء ووضع معياراً للتعاون معهم.

وبصرف النظر عن نقاوة اللقاء، لكن ظهرت فيه شوائب عدة أبرزها انه خلا من حضور ممثلين عن مجموعات رئيسية مشهورة في الحراك المدني او من ينوب عنها بالكامل. واقتصر الحضور على ناشطين بغالبيتهم غير معروفين لدى معظم الموجودين او من اصحاب النشطات المحدودة.

مصادر معنية أوضحت لـ”ليبانون ديبايت” ان الحزب لم يوجه دعوات للمجموعات الكبيرة في الحراك. وفي تفسيرها لذلك اشارت إلى انه أراد اختبار النوايا من الاجتماع الأول ليبنى على الشيء مقتضاه، ما يعني ان حزب الله في صدد عقد لقاء ثانٍ قريباً.

وفي المعلومات، طرح الحاضرون رؤيتهم لمكافحة الفساد والاصلاح في النظام وناقشوا سبل التعاون مع حزب الله في مجال مكافحة الفساد والملفات المرتبطة به ملتمسين وجود نية لدى الاخير للتعاون في المجالات التي يناضلون من اجلها.

أحد المشاركين في الاجتماع المحامي والناشط حسن بزي أشار لـ”ليبانون ديبايت” أن اللقاء يؤسّس لحالة مطلوب العمل من اجلها، مبدياً تفاؤلاً في وصول التعاون الى مراحل مهمة.

وقال “لقد بحثت مواضيع هامة كملف تلوث نهر الليطاني ومطمر الكوستابرافا والامن الاجتماعي في الضاحية وغيرها، ولقي الطرح استماعاً واهتماماً من الشيخ قاسم الذي أذاع امام الحاضرين أن ملف معالجة النهر تسير ضمن خطة يتوقع ان تنتهي بعد عامين”.

سقف النقاش خلال الجلسة خصوصاً بين بزي والشيخ قاسم كان عالياً واتسم بالحديّة وحرية كاملة في عرض الملفات من جانب بزي، وخيّمت عليه الصراحة والوضوح على الرغم من التعابير القاسية التي طرحت لنقل الوضع الراهن، وقد لقيت تقبلاً واستحساناً لافتين من الشيخ قاسم.

مصادر المجتمعين نقلت عن الشيخ قاسم أن حزب الله في صدد اجراء هيكلية واعداد آلية عمل تنظم العلاقة بين الطرفين وتنقلها من سياق التفاهمات الى مربع التنفيذ الفعلي من خلال تبادل الملفات والتعاون فيها.

وفي هذا الصدد، طلب الحاضرون من الشيخ قاسم أن يكون هناك استقلالية في عملهم والا توضع امامهم العوائق على سبيل اعتبار مناطق ذات خصوصية معينة ما او وضع فيتويات على ملاحقة احزاب او تيارات بملفات فساد بذريعة انها قريبة او حليفة.

الكاتب: عبدالله قمح
المصدر: ليبانون ديبايت
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)