إن “سترافور”، مركز أبحاث البنتاغون، هو “السلاح الفكري” للإمبراطورية الأمريكية بما لديه من نظريات طويلة الأمد مثل “القوى العالمية”، وقد وضع رئيسه، جورج فريدمان، خططه لأمريكا المنشورة تحت عنوان “المائة عام القادمة”.(*) يجب أن يكون هذا الكتاب معروفاً لدى جميع خصوم الإمبراطورية الأمريكية، لأنه يعطي وجهات نظر، عن العالم كله، وما تخطط أمريكا للقيام به كي تبقى القوة العالمية الوحيدة في المائة عام القادمة. يجب أن يُقرأ هذا الكتاب في جميع الدول التي لا تريد أن تقع في الأفخاخ التي تحاول الإدارة في واشنطن نصبها.

إن استراتيجية الولايات المتحدة تتمثل في عدم وجود خطتين بديلتين، بل أكثر من ذلك. وفي هذا السياق سوف ينير هذا الكتاب القارئ المتلهف لفهم القضايا التي تتكشف. إن ما يتوقعه جورج فريدمان والاستراتيجيين الجيولوجيين الأميركيين هو كالتالي: في المستقبل، إن الحرب العالمية الثالثة (ما بين العامين 2040 و2070) سيكون صدامها الرئيسي بين “بولندا الكبرى” و”تركيا العثمانية الجديدة” للسيطرة على البلقان، بعد أن كان مسرحاً للقتال، وسيتم التنازل عن رومانيا إلى تركيا العظمى، وتصبح مقاطعة عثمانية جديدة.

سوف يلاحظ القراء اليقظون أن هذه الرؤية الجيو – سياسية داخل أوروبا متناقضة تماماً، ولكن ليس كذلك بالنسبة للجيوبوليتيكيين في “ستراتفور”.

مشروع “الإمبريالية العثمانية الجديدة”

إن حرب يوغوسلافيا السابقة، التي دخل فيها حلف الناتو، أشعلت التنفس بين تركيا وألبانيا لإستعادة إقليم كوسوفو الصربي، حيث تعتزم تركيا العثمانية الجديدة إعادة بناء إمبراطوريتها العظيمة التي غزت سوريا، منذ فترة، والعراق، اليوم.

لكي يفهم القارئ، أن الكراهية الموجودة في دول البلقان، من اليونان إلى الرومانيين والبلغاريين إلى المسلمين، ليست نابعة من الدين؛ إنه تاريخ الغزوات العثمانية لأوروبا التي خلفت صدمة عميقة مثل مذبحة الأرمن واليونانيين، الذين طردوا الأتراك فيما بعد. كذلك، لا نستطيع ان ننسى استيلاء تركيا، في القرن الماضي، على جزء من جزيرة قبرص.

من خلال التاريخ، يمكن ملاحظة أن أكثر المتعصبين كانوا إلى الجانب النازي، مثل جحافل البوسنة وكرواتيا الذين لم يترددوا في ارتكاب أسوأ الفظائع، كقطع رؤوس أعدائهم أو نزع أعينهم كتذكار.

لقد كان للوجود العثماني العديد من التأثيرات السلبية على أوروبا كما في الشرق الأوسط، وعلى هذه التناقضات يعمل المخططون الجيو- ستراتيجيون. اليوم، يتمتع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بنفوذ كبير في البوسنة، ومقدونيا، وجميع أنحاء شمال اليونان من أجل إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية الجديدة بهدف السيطرة على البلقان لتحقيق أهدافه. لقد شرعت تركيا، مع أذربيجان وشريكتها الأخرى جورجيا، بمد خط سكك حديدية (باكو – تبيليسي – كارس) إضافة إلى خط أنابيب غاز بطول 692 كلم يربط بين باكو، في أذربيجان، إلى أرضروم، في تركيا(1)، يهدف تجاوز الخط الروسي، وهو ما يعد سلاحاً استراتيجياً جديداً في يد تركيا.

إن الحنين إلى الماضي الإمبراطوري، أو فتح شهية “القوميين الصغار”، يتم شحذه “سكينه” على كلا الجانبين من قبل العبقرية الميكيافيلية في ستراتفور.

إن الحديث عن أن الخلفية الرئيسية وراء مشروع الاتحاد الأوروبي يصب في خانة الحد من تأثير واشنطن هي “مزحة” لكونه بالأصل “بدعة” أمريكية، حيث تم انشاؤه تحت “نفوذ وسيطرة” ألمانيا، بعكس رغبة الشعب الفرنسي، إذ لم يكن هناك مطلقاً أي صداقة ألمانية – فرنسية من قبل. فـ “ألمانيا العظمى” تحاول تحقيق ذلك من خلال هيمنتها الاقتصادية على بلدان جنوب أوروبا، مضافاً إليها الرغبة في التقدم نحو الشرق، لكنها لم تعتقد أبداً أنها يمكن أن تتعرض للخيانة من خلال “حبيبتها” بعد الحرب؛ أي الولايات المتحدة. فمع وصول الرئيس ترامب إلى السلطة، حظي بتأييد دول وسط أوروبا (Mitteleuropa)، أي بولندا ورومانيا والمجر ودول البلطيق وسلوفينيا وغيرها. أما خلال عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، ووزير خارجيته، جون كيري، كانت سياسة الولايات المتحدة ملتزمة تجاه ألمانيا إلى أن وقعت الأحداث في أوكرانيا. حينها، قالت فيكتوريا نولاند، المتحدثة بإسم وزارة الخارجية والمسؤولة عن دائرة أوروبا، قالت “اللعنة على الاتحاد الأوروبي”.(2)

يهدف المشروع إلى تقطيع أوصال أوكرانيا لصالح بولندا من المجر وكذلك من رومانيا، إضافة إلى أن برلين ستتعرض للهجوم أكثر فأكثر من قبل الولايات المتحدة خلال حكم الرئيس ترامب. لقد وضعت “الفاشية” الألمانية والمؤسسات الأوروبية بلدان جنوب أوروبا في حالة الفقر والبؤس، لذلك ليس من المستغرب أن يقوم الرئيس ترامب بإشعال المنطقة، إذ على الأوروبيين أن يلوموا أنفسهم فقط. 

مجموعة فيشيغراد ( Visegrád)

أُنشئت مجموعة “فيشيغراد” في خريف العام 1335، عندما التقى ملوك بوهيميا وبولندا والمجر في مدينة “فيشيغراد” المجرية. اتفق القادة الثلاثة على إنشاء طرق تجارية جديدة من شأنها تسهيل الوصول إلى الأسواق الأوروبية. هذه الدول، انضمت إلى حلف الناتو في عام 1999، ومن ثم إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2004. للمفارقة، أصبحت بولندا في طليعة المناهضين لبروكسل ومناهضة روسيا، حيث أصبحت الحليف المميز للولايات المتحدة بل وشريكتها الرئيسية. فالولايات المتحدة، حتى العام 2050، لن تخشى ألمانيا.

“الوصايا الإمبريالية” لبولندا

بولندا، كما ذُكر أعلاه، هي البلد الذي وضعه الجغرافيون الأمريكيون في القمة، وهو الحنين البولندي للعودة إلى “القوة العظمى”، في القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر، القادر على التنافس مع موسكو والحد من نفوذها من بحر البلطيق حتى البحر الأسود ووصولاً إلى البحر الأدرياتيكي. إن الهدف الجيو – سياسي في بولندا يتلخص في الشعار “من البحر إلى البحر”، وهذه الجغرافيا السياسية يشار إليها أيضاً تعبير “Intermarium” (أي بولندا-ليتوانيا-أوكرانيا). إن مشروع ألمانيا الكبرى ـ بولندا الكبرى هو أيضاً مشروع عدائي لأن كليهما له أهداف في أوكرانيا ورومانيا.

رومانيا الكبرى أو “دحرجة الرومانيين في الطحين”

من هذه البلدان المذكورة أعلاه، يجب أن نذكر أيضاً “رومانيا الكبرى”، التي كانت موجودة بين العامين 1918 و1944، حيث لديها أهداف هي الأخرى كضم مولدوفا، وهو “مطلب” ألماني، بيد أن الجانب الأمريكي دائماً ما يستخدمها كـ “حجر شطرنج”. فلقد وافقت رومانيا على تركيب رادار وصواريخ أمريكية على أراضيها، وستكون رومانيا أول هدف للروس في حال تلقت أية ضربات امريكية. كل هذا تم التخطيط له من قبل الجيو- استراجيين الأمريكيين كون رومانيا ستعود إلى الإمبراطورية العثمانية الجديدة مستقبلاً.

إذا كانت خطط “ستراتفور” ما زالت في طور الإعداد، فسيتم وضع بعض “البيادق”. في الاستنتاج، يمكن القول بأن عبقرية هؤلاء الإستراتيجيين قد عملت بشكل جيد في أوروبا، لكن “عجرفة وغرور” ألمانيا، ومعها المؤسسات الأوروبية، خصوصاً بعدما انقلب “أصدقاؤهم” الأمريكيين ضدهم عليهم، كما يفعلون عادة.

اليوم، إن الأمر متروك لبلدان أوروبا الوسطى (mitteleuropa) لرفع الصوت في وجه مجموعة الأربع (V4)، القريبة والمدعومة من الولايات المتحدة ومؤسساتها والمعادية للتوجه الأوروبي ودوله، خصوصاً وأنها تقف إلى الجانب الصهيوني في ما يخص الحرب الدائرة في بلدان الشرق الأوسط. فلقد دعم رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، المقرب من رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، ضرب سوريا. كما أن بولندا قد امتنعت عن التصويت على مشروع قرار، قدمته الكويت، لحماية الفلسطينيين.

المصدر مركز سيتا

(إن كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)