لا تزال منظمة “ناطوري كارتا” تمثّل اليهود غير الصهاينة في الدفاع عن الحق الفلسطيني ضد الجرائم الإسرائيلية، بحسب إعلان الحاخام مائير هيرش في زيارته التضامنية لعائلة عهد التميمي. أما المطبّعون الذين يزورون “إسرائيل” بذريعة الحوار مع اليهود يذهبون إلى دعم الصهاينة في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد القدس وفلسطين.

مسيرات العودة التي كسرت حالة الإحباط في الضفة الغربية والعواصم العربية، تقابلها فورة من الوفود العربية والإسلامية لزيارة “إسرائيل”، “للحوار والتسامح”. ففي حمأة اتساع حركة المقاطعة وتأييد القضية الفلسطينية ضد جرائم الاحتلال، يزور وفد مغربي يضم مهندسين وكتاباً ومخرجين (كما قيل) لزيارة الكنيست ومتحف المحرقة (اياد فاشيم) للحوار مع نظرائم في “إسرائيل”، بحسب البيانات الرسمية.

هذه الزيارة من “منظمات المجتمع المدني”، مهّدت لها أوّل زيارة رسمية قام بها الوزير المغربي ناصر بوريطة في آذار/مارس الماضي الذي ترأسُ بلاده لجنة القدس المنبثقة عن مؤتمر التعاون الإسلامي. وفي توقيت جرى فيه إعلان دونالد ترامب القدس “عاصمة لإسرائيل”.

ملك البحرين سبق الجميع إلى العلن في المجاهرة بأهمية زيارة “إسرائيل” كما نقل عنه الحاخام الأميركي افراهام كوبر، وعلى الأثر زار “إسرائيل” وفد في كانون الأول الماضي يضم رجال دين، وُصفت بأنها زيارة “أخوّة وتسامح للتعايش والحوار بين الأديان”، وفي السياق ردّ الزيارة “الأخوية” وفد يقوده الحاخام الأميركي مارك شناير ضمن حملة دينية ينظمها كنيس يهودي.

الدعوات للتطبيع مع “إسرائيل” طالما ردّدها رهط من ذوي الميول الليبرالية والمنشقين عن الحركات القومية واليسارية، بذريعة أن السلام هو مدخل التنمية والازدهار، وفق وصفات الدول الغربية. وفي السياق تصدّر كتّاب الصحف السعودية الدعوات “العقلانية” للسلام.

لكن انضمام رجال الدين المسلمين إلى المجاهرة بالتطبيع مع “إسرائيل” بذريعة التسامح وحوار الأديان، يتعاظم على وقع مأزق “صفقة القرن” وهزيمة السعودية في مساعي تأبيد الانقسامات الطائفية، أملاَ بأن يبقى لها ثقل دعائي عربي في أولوية العداء لإيران.

البذرة الأولى للتطبع مع “إسرائيل” زرعها عبد العزيز بن باز في فتاويه التي تقوم على هرطقة النظر لإسرائيل بصفتها دولة لليهود وقت كانت “إسرائيل” نفسها لم ترَ أنه آن الأوان للدعوة إلى ما بات يُعرف بهيودية الدولة.

وفي جوابه على السؤال عن محاربة “إسرائيل” يقول بن باز “على كل من تولّى أمر المسلمين أن ينظر في مصالح شعبه إذا كان ذلك يؤدي للحرب أو السلم”.

ولا يلبث في فتواه أن ينصّب “إسرائيل” دولة عادية لليهود “حكمها كحكم الدول الكافرة الأخرى”، قاصداً الدول الغربية التي تراها السعودية دولاً كافرة، لكن لا يحول هذا الحكم من الارتماء على أعتاب أبوابها. ولم يكن هذا التجديف تطبيعاً مع “إسرائيل” بنظر شيوخ السعودية، “فالشيخ رحمه الله قال بجواز الصلح أي الهدنة وشتّان بين الهدنة والتطبيع” يقول المفتي ابن شيخ.

رجال الدين المتأثرون بالسعودية أماطوا اللثام عن فؤائد التطبيع مع “إسرائيل” إذا تضررت مصالح البلد وفق فتوى ابن باز؛ فالداعية السوداني يوسف الكودة يرى أن السودان تضررت كثيراً من عدم التطبيع ولا يرى مسوّغاً شرعياً يحول دون التطبيع.

وعلى الخطى السعودية انكبّ رئيس وزراء ماليزيا السابق نجيب عبد الرزاق الوثيق الصلة بمحمد بن سلمان، على تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، فزار الوفد الدبلوماسي الإسرائيلي ماليزيا قبيل اغتيال فادي البطش بتدخّل مباشر من السعودية بحسب معطيات رئيس “حزب أمانة” الماليزي محمد سابو.

ما قطع من مساعي السعودية عقب تغيير الحكم في ماليزيا والانتقال إلى مهاتير محمد، تعمل على تعويضه في أندونيسيا ذات الصلة الوثيقة بابن سلمان. فإلى جانب الوفد المغربي الذي يزور “إسرائيل”، يزور وفد من جمعية “نهضة العلماء الأندونسيين” برئاسة رجل الدين يحي خليل “من أجل دفع الحوار بين الديانات الإسلامية واليهودية والمسيحية”، كما تصرّح الجمعية.

خطَأ الهرطقة السعودية ورجال المطبّعين مع “إسرائيل”، أنهم يرونها دولة يهودية من اليهود كما يراها صقورها. لكن “إسرائيل” دولة احتلال لليهود الصهاينة الذين يدعمهم صهاينة آخرون من غير اليهود ومن المطبّعين بعضم رجال دين مسلمين. بينما بعض اليهود المعادين للصهاينة يرفضون وجود “إسرائيل” ويهودية الدولة.

فمنظمة “ناطوري كارتا” (حارس المدينة باللغة الآرامية) تأسست في القدس في العام 1935 ضد مشروع احتلال فلسطين والمشروع الصهيوني. وهي منظمة يهودية ضد الصهيونية تدافع عن الحق الفلسطيني في فلسطين، كما عمل الحاخام موشية هيرش إلى جانب الرئيس الراحل ياسر عرفات في منظمة التحرير الفلسطينية في ثمانينات القرن الماضي.

لا تزال المنظمة تمثّل اليهود غير الصهاينة في الدفاع عن الحق الفلسطيني ضد الجرائم الإسرائيلية، بحسب إعلان الحاخام مائير هيرش في زيارته التضامنية لعائلة عهد التميمي. فالمطبّعون الذين يزورون “إسرائيل” بذريعة الحوار مع اليهود يذهبون إلى دعم الصهاينة في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد القدس وفلسطين.

 

 

الكاتب: قاسم عزالدين
المصدر: الميادين
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)