تعرف على قصة محاولة الموساد تجنيد “صوت مصر في كاس العالم”

0
13

اللى انتم وصلتوا له ده أهم بكتير من سعيد.. هو ده الصوت اللى هيفرق معانا فى كاس العالم”.. جملة أنهت إعلان شهير لشركة محمول مصرية فى رمضان عن مشاركة مصر فى كأس العالم، وصوت ملايين المصريين لتشجيع منتخب بلادهم فى روسيا 2018، وبعد تخمين من مشاهدى الإعلان، اتضح أن الصوت الهام لملايين المصريين هو صوت المطرب الكبير سمير الإسكندرانى، الذى لقن جهاز الموساد الإسرائيلى درسا من الدروس القاسية يوما ما.

منذ نشأة الكيان الصهيونى فى قلب المنطقة العربية عام 1948، والعداء الذى يكنه للعرب، ونحن نعيش قصة صراع طويلة، ومسلسل من احتلال الاراضى العربية، وحرب عمالة، ودماء تسيل على كل الأراضى العربية، وفى قلب كل ذلك كانت أعمال الجاسوسية هى بطل الأحداث، وهناك قصص مدهشة وغريبة، أصبحت من كلاسيكيات الجاسوسية فى العالم.

من ضمن هذه القصص قصة الفنان سمير الإسكندرانى أو كما لقبوه بـ”الثعلب المصري” والذى حاولت إسرائيل تجنيده لصالحها إلا أنه خدعهم وعمل كعميل مزدوج لصالح المخابرات المصرية ضمن سلسلة كبيرة من تفوق المخابرات المصرية على المخابرات الصهيونية.

ولد الإسكندرانى فى حى الغورية وسط القاهرة، وعاش فيها مع والده الحاج فؤاد سهرات حيث عاصر أمسيات الأدب والفن والغناء، فوق سطح منزله هناك، وامتزج نموه بأشعار بيرم التونسى وألحان الشيخ زكريا احمد، وغناء والده بصوته العذب وأحاديث السياسة والحرب والاقتصاد.

وشكل انتقال أسرته من الغورية إلى شارع عبد العزيز نقله فى حياة الثعلب وذلك بسبب أن تلك المنطقة فى ذلك الوقت مليئه بالاجانب والذى تعلم منهم ما أفاده مستقبلا من تقاليد وأسرار فى الحياة كما قابل الفاتنة يولندا التى أحبها كثير ما ساعده على الحصول على منحة دراسية فمدينة بيروجيا الإيطالية.

بدأت قصة محاولة الموساد تجنيده عندما ذهب فى منحة دراسية إلى إيطاليا وتحديدا فى مدينة “بيروجيريا”عام 1958 وكنت وقتها فى العشرين ولكنه كان مختلفا بعض الشيء عن الشباب المصريين فقد كان يتحدث خمس لغات وكان يبدو عليه التحرر والحماس والانطلاق كان يجيد الرقص والغناء ويرسم بورتريهات فى الشارع، ما خدع الموساد وشجعهم لتجنيده فى شبكاتهم الجاسوسية، وكان ممن وقع عليهم اختيارهم حيث تصوروا أن سلوكه المتحرر لا ينتمى للنموذج المصرى المتحفظ الذى اعتادوه فى الشباب المصريين.

وذات يوم فى إيطاليا التقى سمير بشاب يدعى سليم فى الجامعة، وهو شاب بهر الجميع بذكائه وإتقانه لعده لغات بطلاقة، ورغم انبهار سمير بهذا الشاب فى البداية إلا أن شيئا ما بعث الكثير من الحذر فى أعماقه خاصة بعد تحركاته المريبه ومعرفة سمير بموضوع جواز سفره الأمريكى عكس ادعائه بأنه عربى، فى هذه اللحظة استفاد سمير بما تعلمه من قبل عن طبائع المجتمع الأوربى واليهودى من سابق معاشرته لهم بالقاهرة، واستطاع أن يخدع سليم ليعرف نواياه، مدعيا أن جده الأكبر كان يهوديا وأسلم ليتزوج جدته، ولكن أحدا لم ينس أصله اليهودى، مما دفع والده إلى الهجرة للقاهرة، حيث عرف أمه، ذات الطابع اليونانى، وتزوجها، وأنه أكثر ميلا لجذوره اليهودية.

حينها سقط سليم فى فخ الثعلب، واندفع يقول فى حماس: “كنت أتوقع هذا.. أنا أيضا لست مصريا يا سمير أنا يهودى” وقدمه سليم بعد ذلك الى جوناثان شميت، الذى لم يكن سوى أحد ضباط الموساد الإسرائيلى وهنا أيضا قام سمير بخداعه مجددا وأوهمه بكراهيته للنظام فى مصر وسخطه عليه بحكم نشأته وكذلك بحبه الشديد للمال.

ويروى سمير الإسكندرانى ما حدث عند نزوله مصربعد ذلك فيقول “بمجرد أن وصلت الباخرة إلى الإسكندرية أخذت سيارة أجرة إلى القاهرة وذهبت فورا إلى بيتى وبمجرد أن رآنى والدى اندهش جدا، فحكيت له كل ما حدث لى وتعرضت له فى إيطاليا، فساعدنى عن طريق صديق له سبق أن اشترى منه موبيليا وكان هذا الرجل وكيل المخابرات العامة فاتصلنا به وحكيت له ما مررت به ولكنه تحدث معى بعدم اكتراث وطلب منى أن أمر عليه وهو يضحك، فقلت له إننى لن أمر عليه ولكنه اذا أراد أن يعرف الحقيقة فعليه أن يقابلنى فى جروبى وتكون معه سيدة تبدو كأنها زوجته، هنا تغيرت لهجة الرجل وبدا أكثر حزما لأنه أدرك أننى مدرب فعلا والأمر خطير وبعد ساعة تقريبا تقابلنا فى جروبى وكأنها صدفة، أنا وهو وتلك السيدة وسلمنا على بعض وكأننا نعرف بعضا من زمن وسألنى إنت فين ووصلت مصر إمتى وأخذنى معه فى سيارته، ووجدت نفسى فى مبنى أنيق بمصر الجديدة ودخلنا مكتبا قابلت فيه ضابطا قدم نفسه لى باسم جعفر وعندما طلب منى أن يعرف حقيقة الأمر قلت له أنا لا أعرف حضرتك ولا أعرف الباشا وكلامى معناه حياتى ورقبتى لذلك أنا لن اتحدث إلا مع الشخص الذى أعرفه وعندما سألونى من الذى تعرفه؟ قلت لهم الرئيس جمال عبدالناصر”.

ويضيف الإسكندراني “حاول الرجلان أن يقنعانى بالحديث ولكننى رفضت تماما فقالا لى لو غيرت رأيك اتصل بنا وغادرت المخابرات وبعد شهرين اتصلت بى المخابرات المصرية، وطلبوا منى الذهاب إليهم فى موعد ومكان محددين فذهبت فى الموعد بالضبط واخذونى معهم الى فيلا بسيطة بمصر الجديدة ودخلنا صالونا به صور للرئيس جمال عبدالناصر وأولاده، وصورة للرئيس محمد نجيب، وبعد فترة أظنها لا تتعدى ربع ساعة دخل علينا الرئيس جمال عبدالناصر فهجمت عليه وقبلته وحاولت تقبيل يده ولكنه رفض فقلت له أنا محتاجلك أنا فى مشكلة كبيرة فقال لي: صلاح ابلغنى عنك كلام كويس قوى علشان كده قابلتك وكفاية إنك جئت لنا بنفسك وعرفت إن الفترة التى تركونى فيها قام رجال المخابرات بعمل مسح شامل عنى وعن عائلتى وحكيت للرئيس كل ما تعرضت له فى إيطاليا فأعطى إشارة البدء لصلاح نصر للتعامل معى وكانت الوسيلة التى استقرت عليها المخابرات هى أن أستمر فى العمل مع المخابرات الإسرائيلية”.

وأكمل سمير “اطلعت الرئيس على كل ما لدى وعلى تخطيطهم المتمثل أولا اغتيال المشير عبدالحكيم عامر بعد أن فشلت محاولاتهم لنسف طائرة (اليوشن 14) عام 1956 فى الجو والتى كانو معتقدين أنه بداخلها وكانوا يجندون لتلك العملية جاسوسا مصريا اسمه “ابراهيم رشيد” أما الأخطر فهو اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر عن طريق وضع سم طويل المدى فى طعامه، خاصة أنه كان يمثل الخطر الرئيسى على إسرائيل على حسب قول اسحاق رابين رئيس وزراء اسرائيل وقتها.

وبعدما اطلع ناصر على كل شئ أخبر سمير أعتقد أن دورك لم ينته بعد يا سمير.. أليس كذلك؟ أجابه الشاب فى حماس شديد: أنا رهن إشارتك يا سيادة الرئيس، ودمى فداء لمصر، وكان هذا إيذانا ببدء فصل جديد من المعركة

كان سمير ثعلبا حقيقيا، استوعب الأمر كله والتدريبات كامله فى سرعة وإتقان، وبرزت فيه مواهبه الشخصية، قدرته المدهشة على التحكم فى انفعالاته، براعته فى التعامل مع العدو وخداعه فى نقل المعلومات بحنكة وكانت نوعية معلوماته صحيح هامه ولكنها تقليديه حتى لا تثير شكوك العدو بالتعاون مع المخابرات المصرية.

وكانت أهم مرحلة التى قطعت أى شك اتجاه سمير رفضه بذكاء شديد عملية تجنيد أحد أقاربه العسكريين وإنها أكبر من إمكانياته، ووقع جوناثان أكثر فى الفخ وحان وقت جنى الثمار وإيقاع الشبكات واحدة تلو الأخرى، طوال الوقت كان سمير يشكو فى خطاباته الى جوناثان من احتياجه الشديد للمال، ويهدد بالتوقف عن العمل، وفى الوقت نفسه كان يرسل لهم عشرات المعلومات والصور، التى سال لها لعابهم.

فطلبوا منه استئجار صندوق بريد، ووصل ثلاثة الآف دولار داخل عدة مظاريف وصلت كلها من داخل مصر، لتعلن عن وجود شبكة ضخمة من عملاء إسرائيل، تتحرك فى حرية داخل البلاد وتستنفذ أسرارها فبدأت خطة منظمة للإيقاع بالشبكة كلها فاستكمل سمير الخطه عندما طلب منه ارسال افلام مصوره أعلن خوفه خشية أن تقع فى أيدى الجمارك ورجال الرقابة فأرسل إليه جوناثان رقم بريد فى الإسكندرية، وطلب منه إرسال طرود الأفلام إليه، وبدأت خيوط الشبكة تتكشف شيئا فشيئا، لقد كانت أضخم شبكة تجسس عرفها التاريخ، ومعظمها من الأجانب المقيمين فى مصر الذين يعملون بمختلف المهن، وفقًا لـ”المجموعة 73 مؤرخين”

وأدركت المخابرات المصرية أنها أمام صيد هائل، يستحق كل الجهد المبذول وقررت أن تعد خطتها بكل دقة وذكاء وتستعين بقدرات سمير الثعلبية، لسحق الشبكة كلها دفعة واحدة، واستطاع سمير إقناع المخابرات الإسرائيلية بإرسال واحد من أخطر ضباطها إليه فى القاهرة، وهو موسى جود سوارد، الذى وصل متخفيا، ولكن المخابرات المصرية راحت تتبع خطواته فى دقة مدهشة، حتى توصلت الى محل إقامته، والى اتصالاته السرية برجلين هما رايموند بترو، الموظف بأحد الفنادق وهيلموت باوخ، الدبلوماسى بأحدى السفارات الأوروبية.

وبضربة مباغته ألقت المخابرات المصرية القبض على موسى وتحفظت عليه، دون أن تنشر الخبر، أو تسمح للآخرين بمعرفته، وتمت السيطرة عليه ليرسل خطاباته بنفس الانتظام الى الموساد، حتى يتم كشف الشبكة كلها، والإيقاع بكل عناصرها، وراح عملاء الشبكة يتساقطون واحد بعد الأخر، والحقائق تنكشف أكثر وأكثر، ثم كانت لحظة الإعلان عن العملية كلها، وجاء دور الإسرائيليين لتتسع عيونهم فى ذهول، وهم يكتشفون أن الثعلب المصرى الشاب سمير الاسكندرانى قد ظل يعبث معهم ويخدعهم طوال عام ونصف العام، وانه سحق كبريائهم بضربة ذكية متقنة، مع جهاز المخابرات المصرى، الذى دمر أكبر وأقوى شبكاتهم تماما، وفكروا فى الانتقام من الثعلب بتصفية شقيقه سامى، ولكنهم فوجئوا بان المخابرات المصرية قد أرسلت احد أفضل رجالها لإعادته من النمسا، قبل كشف الشبكة، وكانت الفضيحة الإسرائيلية عالمية، ونصرا مصريا كبيرا واستمع سمير إلى التفاصيل وهو يبتسم، لقد دعاه الرئيس جمال عبد الناصر، ليكافئه على نجاحه فى تلك اللعبة، عندما تسبب نجاحه فى استقالة مدير المخابرات الإسرائيلية هرطابى.

 

 

المصدر: الوطن
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)