قرار مدوٍ وعاصف من وزارة الخارجية!

0
11

أكثر ما يُزعج مسؤولاً سياسيّاً هو إسلوب “الإستغباء” الذي يمارسه بعض المسؤولين الدوليين المقيمين في لبنان بحق البلد الذي يستَضيفهم، بعدما ظهر أنّهم يتصرّفون كحكّام بأمرهم. يتجاوزون النصوص الدبلوماسيّة والقوانين اللبنانيّة “على عينك يا تاجر”، يمعنون في تعدّياتهم غير آبهين بالعواقب، كيف لا وهم في اللا وعي لديهم، يؤمنون بأن لبنان ليس من الدول التي تُقدم على خطوات عقابيّة.

يرتفع منسوب الإنزعاج حين ينضمإالى القائمة حكومات ومؤسّسات دوليّة على شالكة أولئك الذين حضروا مؤتمر “بروكسل-2 لدعم مستقبل سوريا والمنطقة”، والذي خصَّ في جانب منه لدعم ومساعدة لبنان في ملف النازحين السوريين.

يتحول الإنزعاج إلى ضَحك حين يُقلّب المسؤول بين يديه بنود البيان النهائي الذي صدرَ الإسبوع الماضي عن المؤتمر الذي رعاه الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ويعطي للنازحين السوريين حق الاندماج في المجتمع اللبناني، ويمنحهم حق العمل والإقامة الدائمة أو العودة الطوعيّة، ليغيّب عن قصد الموقف الرسمي اللبناني الداعي لإعادة النازحين إلى بلدهم! لا يعود سبب ضحكه إلى وجود نِكات في البيان، بلّ بسبب سياسة “الإستغباء” التي وبدل أن يضع لبنان الرسمي حدّاً لها، يُبرّر أفعالها بعدما إعتبر أن البيان مُرّرَ في ليل عند مغادرة رئيس الحكومة في الطائرة! هكذا ببساطة يجري التعامل مع لبنان.

على المقلب الآخر يصفق المسؤول راحاً على راح حين يتابع طريقة التعامل الرسمي مع قائد قوات الأمم المتّحدة العاملة في جنوب لبنان، الجنرال الإيرلندي مايكل بيري، الذي داس على القوانين اللبنانيّة بكل خفّة حينَ ذهب إلى جبل هرتسيل غربي القدس، يُشارك بإحتفاليّة قتلى الجيش الإسرائيلي في الحروب، ثمّ جاء إلى بيروت يُبرّر للمسؤولين فعلته بأنها “تدبير عادي شاركَ به، وهو لا يدري أن الموضوع يستفز اللبنانيين إلى هذا الحد”، علماً أن تبريره لم يُستَسغ عند المرجعيّات التي زارها، من اليرزة إلى بعبدا وما بينهما.

مصيبة إذا لم يكن قائد فرقة القبّعات الزرق المولجة أعمال السلام، لا يعلم أن مشاركة إحتفاليّة جنود قضى جزء منهم في لبنان “غير مستفز” أو أن خطوته ليست من مهام قائد قوّة سلام تقيم في لبنان، والمصيبة تكبر إذا ما كان لا يدري أنها تزامنت وذكرى مجزرة قانا الأولى التي استُشهِدَ فيها عشرات المدنيين من نساء وأطفال وعَجزة بمقرّ تابع للامم المتّحدة عام 1996!

لكن لا يبدو أن سياسة “الضحك” ستستمر، خاصة حين يتّضح أن جزءاً من لبنان الرسمي لديه نيّه في الرّد على من يُداوم على “إستغبائه” بل ومحاسبتهِ أيضاً! اذ يتسرّب أن هذا الرّد سيكون مدوّياً متفجّراً وعاصفاً في حال تقرّر السير به.

تبحث وزارة الخارجية هذه اأايام مع مرجعيّات رئاسيّة رفيعة، سبل الرّد على الإستغباءات الدوليّة المتلاحقة، من موضوع بيري إلى بيان بروكسل-2، مع العلم أن رئاستي الجمهوريّة ومجلس النوّاب ومن خلفهما وزارة الخارجيّة رفعت صوت التنديد والإعتراض إلى المستويات العليا.

في بال وزارة الخارجيّة أن توجّه رسالة قويّة إلى المجتمع الدولي من اجل كبح جماح سياساته “المستهترة والمستفزّة”، ويدور في عقلها إجراء إستدعاءات للمسؤولين الدوليين وتوجيه رسائل حادة، بل وتصنيف بعضهم “أشخاصاً غير مرغوبٍ فيهم”، وهو حق يمارسه لبنان للمرّة الأولى.

وفيما لم تكشف مصادر وزارة الخارجيّة إسم أو (أسماء) الشخصيّة أو (الشخصيّات) المتوقّع إعلانها (إعلانه) “شخصاً غيرَ مرغوبٍ فيه”، وضعت مصادر سياسيّة مطّلعة لائحة أسماء تحت خانة التساؤل والإحتمال وهي:

– الجنرال مايكل بيري الذي زار اسرائيل من دون المرور بالإذن اللبناني
– رئيسة بعثة الإتحاد الأوروبي السفيرة كريستينا لاسن، لكون الإتحاد هو المسؤول الأول عن البيان المشؤوم
– ممثلة الأمين العام للامم المتّحدة، بيرنيل كاردل، بوصف الامم المتّحدة متورّطة بالبيان
– ممثلة المفوضيّة العليا للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين في لبنان ميراي جيرار

الترشيح يصب بنحوٍ مرتفع صوب ممثلة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، ميراي جيرار، التي استدعيت في 20 الجاري إلى وزارة الخارجيّة بناءً على توجيهات الوزير جبران باسيل، كونها تمثّل الجهة المعنيّة بشكل مباشر في الأزمة، علماً أن إتهامات كثيرة كيلت للممثليّة إستناداً على ما ظهر من فلتات تصرّفاتها إبان عمليّة إعادة عائلات سوريّة من شبعا إلى بيت جان قبل أسابيع. يومذاك سُرّبت معلومات عن تحرّكات “مشكوك بأمرها” قامت بها المفوضيّة لحث اللاجئين على عدم العودة!

وإذا كان تصنيف مسؤول دولي “شخصاً غيرَ مرغوبٍ فيه” بلبنان خطوة تحدث للمرّة الأولى، فإن إستدعاء مسؤول دولي لم يعد حدثاً عابراً في السنوات الأخيرة. فقد جرى في الشتاء الماضي إستدعاء ممثّلة الأمين العام للامم المتّحدة السابقة، سيرغد كاغ، بناءً على توجيهات رئاسيّة، بعد إنتقادها مواقف صحافيّة أدلى بها رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، وضعت أوروبياً ودوليّاً بخانة المؤيّدة لسلاح حزب الله، وهو ما أزعجَ كاغ، فأقدمت على الدعوة لإجتماع عاجل ضمّ سفراء الدول الخمس من دون المرور بإذن وزارة الخارجيّة، ما إعتبر إنتقاصاً من السيادة الوطنيّة.

وقد جرى إبلاغها وقتذاك، إلى ضرورة تقيّد المُعتمد الديبلوماسي بأحكام إتفاقية فيينا، ولاسيما المادة 41 منها، التي توجب على هذا المُعتمد، إحترام قوانين ولوائح الدولة المعتمدة لديها وعدم التدخّل في الشؤون الداخليّة لتلك الدولة.

الكاتب: عبدالله قمح
المصدر: ليبانون ديبايت
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)