عندما أُطلقت تسمية “بي الكل” على رئيس الجمهورية ​ميشال عون​، كان الهدف منها التأكيد على أن عون هو على مسافة أبوّة واحدة من كل اللبنانيين. نجحت يومها الحملة في تحقيق أهدافها، وخصوصا أن “الجنرال” وصل الى سُدّة الرئاسة الاولى، وأظهر إنفتاحاً إتجاه الكل، بعد تجاوزه كل تباينات وخلافات المرحلة التي سبقت وصوله الى قصر بعبدا. فُتحت صفحات جديدة بين العهد وبين القوى، جرى ترجمتها في تأليف حكومة جامعة، وإظهار ودٍ متبادل واحترام ظاهر. كاد العهد يشكّل سابقة في لم الشمل الوطني. هو جمع التناقضات وأذاب الجليد الذي كان موجوداً على الطرق التي تصل القوى السياسية به.

سرعان ما توسّع الاشتباك السياسي بين التيار “الوطني الحر”، وشخصيات وقوى عدة، لكنه بقي مضبوطاً، وإستطاع رئيس الجمهورية أن يكون حكَماَ في ملفات التباين الداخلي، وأن يفرض نفسه في موقع الأبوّة للجميع. جاءت تصرفات القوى السياسية تُترجم الإحترام المطلق لموقع الرئاسة، ولتصرف عون، رغم الخلاف بينها وبين رئيس التيار “الوطني الحر” الوزير ​جبران باسيل​. أرادت تلك القوى الفصل في العلاقة برئيس الجمهورية، عن التيار “الوطني الحر”.

كل ذلك، ظلّ واضحاً حتى موعد ​الانتخابات النيابية​. قبل شهر من موعد الاستحقاق، أطلّت حملة اعلامية متدرّجة للتيار “الوطني الحر” تُقحم ​رئاسة الجمهورية​ بالمعركة الانتخابية، تحت عنوان: صوتي للعهد القوي، أو صوّت للعهد….. وضعت الحملة البرتقالية العهد(رئيس الجمهورية) في مواجهة مع كل القوى السياسية، وكأن تلك القوى في موقع الخصومة مع العهد. بدا ان رئيس الجمهورية هو الذي يخوض الانتخابات. المعركة الديمقراطية معركته. هناك من يخوضها في الشكل عنه. ماذا لو فازت تلك القوى؟! هل تكون ضد العهد؟! هذا يعني أن أكثرية نيابية ستفرزها الانتخابات جاءت من موقع خصومة للعهد. خصوصاً أن التحالفات متنوعة بين دائرة وأخرى.

مثلاً، في بعلبك-الهرمل، يخوض التيار “الوطني الحر” منافسة ضد: “​حزب الله​” وحركة “أمل”، و”القوات”، و”المستقبل” و باقي الأحزاب. هل يعني أن كل النواب الآتين من خارج اللائحة البرتقالية هم ضد العهد؟ كذلك في زحلة، يتحالف فريق العهد مع “المستقبل” ضد القوى الأخرى، ما يعني ان تلك القوى جميعها ستكون ضد العهد. في طرابلس أيضاً، القوى السياسية ضد العهد، بحسب تصنيف التيار “الوطني الحر”.

اذا جمعنا النواب الذين سيفوزون بإسم العهد، فهذا يعني أن أكثرية نيابية ستكون في المقلب المواجه للعهد. تلك خطيئة يرتكبها البرتقاليون بحق رئيس الجمهورية، لأنهم يصنّفون كل خصومهم في موقع المواجهة مع العهد. لا يمكن تبرير الخطيئة، لأنها تُرسّخ في ذهن المواطن الناخب، أن صوته الذي يعطيه لمرشح غير برتقالي، عملياً يصبّ في خانة الخصومة مع العهد. تلك الشعارات، واذا كانت تكسب القليل من التعاطف مع البرتقاليين، بإعتبار ان المواطنين يميلون نحو الرئاسة، لاعتبارات عدة: الهيبة، السلطة، الشرعية، القدرة، الدور، المصلحة… لكنها تُفقد رئيس الجمهورية عنصر الأبوة للكل، كما رفعه “الوطني الحر” نفسه شعاراً واراد ترجمته، فنجح رئيس الجمهورية، بينما سقطت القيادة البرتقالية في الفخ.

هل هو تخبطٌ برتقالي؟ أم تناقض في السياسة البرتقالية؟ أم مجرد حملة اعلامية لم تُحسب نتائجها، لاستعطاف الناخبين وشدّهم الى الاقتراع لمرشحين برتقاليين، بإسم العهد. من أقحم رئيس الجمهورية في مشهد الانتخابات، ليناقض جوهر شعاره الأبوي؟ تلك مسؤولية، لأنها تشرّع أصوات الاعتراض ضد العهد لاحقاً. اي نكسة انتخابية برتقالية في اي دائرة، سيجري تصنيفها انها ضد العهد. وأي نتيجة جزئية ستُقاس على مساحة العهد.

لا يعني ذلك، ان العهد لا علاقة له بالانتخابات. تاريخيا كان هناك افرقاء ونواب بإسم العهود السابقة. لكنهم لم يرفعوا شعار: بي الكل. ولا هم أرادوا أن يكونوا للكل. ولا هم ادّعوا انهم على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين. خصوصاً ان الخطاب البرتقالي اليوم مضرّ للعهد. استخدام مصطلحات تحشيدية، والاستعانة بكل الاسلحة، الطائفية، والسياسية، من اجل كسب مقاعد نيابية. لا يُمكن ان يُعلن مرشح للانتخابات النيابية ان الاقتراع له، هو تأييد للعهد، والخصومة معه خصومة مع العهد، وفي ذات الوقت مقارعة المرشح لقوى سياسية حول عناوين ضيّقة، لا يريد اللبنانيون للعهد ان ينزلق اليها.

كان الأحرى بالبرتقاليين، إبقاء العهد بعيداً عن حملاتهم. لأن هناك من سيأتي غدا للقول ان خسارة “مرشحي العهد” هي نكسة للرئيس، وتراجع لشعبيته، او فقداناً لتمثيله الاكثرية التي كان يتغنى بها منذ سنوات طويلة.

الكاتب: عباس ضاهر
المصدر: النشرة
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)