لايزال الغربيون يؤكدون أن “حربًا أهلية” اشتعلت في سورية في عام 2011. هذا على الرغم من اعتماد الكونغرس الأمريكي قانونا قبل ذلك بكثير، وقعه فيما بعد الرئيس جورج بوش الابن، يقضي بإعلان الحرب على سوريا ولبنان، وهو قانون مساءلة سورية، واستعادة السيادة اللبنانية.

لكن، وبعد المحاولة الفاشلة التي قام بها وزير الخارجية كولن باول عام 2004، لتحويل جامعة الدول العربية إلى محكمة إقليمية، إبان انعقاد قمة تونس، بدأ الاعتداء الغربي فعليا، باغتيال رفيق الحريري في عام 2005.

وعلى الفور، اتهم السفير الأميركي في بيروت، جيفري فيلتمان – الذي قد يكون هو نفسه من نظّم هذه الجريمة – الرئيسين بشار الأسد، وإميل لحود. وبنفس السرعة، أرسلت الأمم المتحدة بعثة تحقيق، أعقبها تشكيل محكمة دولية زائفة.

ومن لحظة تشكيلها، كان لدى المحكمة الدولية شهادات وأدلة “مُقنعة”.

تم وضع الرئيسين على لائحة الحظر الدولي بانتظار إدانتهما الوشيكة، وأصدرت الأمم المتحدة أمرا باعتقال جنرالات لبنانيين، تم سجنهم لسنوات عديدة من دون توجيه أي تهمة إليهم.

لكن سرعان ماسقطت الأقنعة عن شهود الزور، وخبا بريق الأدلة “الدامغة”، وانهار الاتهام. فكان لابد حينئذ من إطلاق سراح الجنرالات مع الاعتذار، وأصبح الرئيسان بشار الأسد وإميل لحود، من جديد، شخصيتان معتبرتان (بنظر الغرب).

وأصبح جيفري فيلتمان بعد 13 سنة من ذلك التاريخ، الرجل الثاني في الأمم المتحدة، فصارت القضية الأساسية بالنسبة له، هي الهجوم الكيميائي المزعوم على الغوطة.

وكما في كل مرة، لديهم الآن أيضا شهادات من (الخوذ البيضاء) وأدلة مُقنعة (صور ومقاطع فيديو). والجاني المزعوم هو كالعادة، الرئيس الأسد.

لقد تم إعداد وترتيب هذه التهمة بعناية فائقة، من خلال العديد من الشائعات التي أٌطلقت منذ عام 2013. ومن دون انتظار نتائج فريق لجنة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، نصًب القادة الغربيون أنفسهم قضاة وجلادين، فأدانوا سورية، وقصفوها في 14 نيسان.

بيد أن الظروف تغيرت هذه المرة بعد أن عادت روسيا، مرة أخرى، قوة عظمى معادلة تماما للولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق طالبت باحترام الإجراءات الدولية، وإرسال بعثة تقصي من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى دمشق. وهي أيضا التي اصطحبت إلى لاهاي 17 شاهد عيان، ليثبتوا تلاعب الخوذ البيضاء.

فكيف كان رد دول التحالف الغربي؟

لقد رفضوا على الفور الاستماع إلى الشهود، وأصدروا بيانًا موجزًا، شجبوا فيه “الاستعراضات” الروسية.

نسوا أنهم أدانوا وعاقبوا سورية في السابق، وشددوا على أن جلسة الاستماع للشهود تتجاوز مسؤوليات التحقيق الجاري الآن. وأشاروا إلى أن مدير منظمة الصحة العالمية، كان قد أكد وقوع الهجوم الكيميائي، وأنه من غير اللائق التشكيك بأقواله. وناشدوا روسيا، بطبيعة الحال، إلى احترام القانون الدولي، الذي لم يقصروا يوما في انتهاكه.

اتضح فيما بعد أن بيان منظمة الصحة العالمية كان مخالفا لصلاحياتها،

وأن مفردات التعبير فيه لم تكن بصيغة اليقين، بل بصيغة الفعل المشروط، وأنه لم يكن يستند إلى تقارير أعدها مسؤولون في المنظمة، بل إلى الشهادة الوحيدة الصادرة عن منظمة غير حكومية التي أنتجت الاتهامات..الخوذ البيضاء.

تؤكد الحكمة الشعبية في كل مكان من العالم أن ” منطق القوي هو الأفضل دائمًا”. هذه الحكمة نجدها في حكايات البانشاتانترا الهندية، وايسوب اليوناني، والفرنسي جان دو لا فونتين، والروسي إيفان كريلوف، أو ربما السوري الآشوري أحيقار الحكيم.

منذ مهزلة 14 نيسان، لم يعد الغربيون هم “الأقوى”، إلا في الأكاذيب.

 

 

الكاتب: تييري ميسان

ترجمة
سعيد هلال الشريفي
المصدر: شبكة فولتير
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)