عون في حارة حريك

0
18

يتقلّب الوزير جبران باسيل في المواقف. تارةً يُهادن وتارةً يهاجم، يمكن القول أنه يمتلك معجماً مغربياً فيه شتى أصناف التعويذات بحيث يصبح لكل مقامٍ دواء. يُساير في الدوائر التي يضطرّ للمسايرة فيها، ويذهب لرفع السقوف إلى الحدود القصوى في الدوائر التي تحرّره من الالتزامات، وهكذا حتّى أدخل الجميع في دوّيخة.

الوحيدون المتضرّرون من “دوّيخة باسيل” هم أولئك الذين يتلقون السهام عنه بأجسادهم، هم فدائيون حقيقيون لأنهم يتحمّلون عظيم الانتقادات، وبدل أن يتناغموا خلف خطوط سياسيّة واحدة، يمكن القول أنهم يتفرغون لتنظيف جلود بعضهم البعض من رواسب خُطَب رئيس التيّار “الفجّة”.

ضاع المتابعون بين نموذجين برزا في الساعات الماضية، نموذج خطاب باسيل في دائرة الشمال 3 الذي حمل لطشات يبدو أنها موجهة نحو حزب الله (قال: أليس من يستقوي على الناس بمال الخارج وسياسة الخارج وسلاح الخارج فاسداً؟) ونموذج خطاب بعلبك – الهرمل الذي غازل فيه الحزب ونصرالله (قال: يلّي ما بغطّس اصبعو بـ6 أيّار بحبر الإنتخاب، بكون عم يتخلّى عن يلّي غطسوا هالأرض بدماؤن تيحروها).

وأمام هذا الواقع يُمعِن باسيل في تغطيس رؤوس اللبنانيين بدلوٍ كبيرٍ من المياه إلى حدٍ بات معه صعباً عليهم إستدراك خطابات غير معروف أصلها من فصلها، ولكي نكون دقيقين “لم نعد نعرف وين ناوي يقعد..” وهو موقف يتردّد على ألسنة حلفائه، الأجابة الوحيدة تأتي على شكل نصيحة بأن “يقعد عاقل.. فكتر الدق علَحديد بيفك اللحام”.

لكن هناك من لا يريد لهذا اللحام الذي رص بالجهد والعرق أن ينفك. بالنسبة إليهم كل شيء قابل للعلاج، وبالسنة إليهم أيضاً، هناك “جبلان” (وفق توصيف باسيل نفسه) بمقدورهما “دوزنة” الامور وعدم تركها تخرج عند الحدود المرسومة لها، الرئيس ميشال عون والسيّد حسن نصرالله.

لكن إلى متى يريد أن يبقى باسيل يُنزل تلك المقامات من رمزيتها إلى مستوى تذليل عقاباته وتنظيف رواسبه، أما حان الوقت أن ينضبط؟ تسأل مصادر.

تنتظر المرجعيتان أن يحقق باسيل وعده الذي قطعه للأمين العام لحزب الله، بأن يعود إلى موقعه السابق بعد الانتخابات، لكن ثمّة من يستغرب العودة الموعودة بعد كل الندوب التي اُحدثت، ويتساءل عن شكل هذه العودة واجندتها ووفق أي رؤى ستكون، وكيف لها أن تحيا في ظل الشوائب التي دخلت عليها؟

الرئيس ميشال عون، وفق ما تؤكد أوساط مطلعة، يحاول مداواة الجروح عبر وقوفه على خاطر حزب الله الذي يثير بعض مسؤوليه القلق المعلن من تصريحات الوزير باسيل.

كان لافتاً خروج نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم عن صمته منذ مدة، حين أفصحَ عن وجود “ملاحظات على بعض مواقف الوزير باسيل”، كان قد سبق هذا الكلام “لطشات عدة” أتت على السنة مسؤولين وقياديين من الحزب، خاصة في ما يتعلق برفض باسيل ترشيحات مُعيّنة، كلامٌ إستدعى تدخلاً من أعلى المقامات لفهم ما يصبو إليه قاسم، وخلفيّة لطشات التي ترمى بإتجاه باسيل.

ويتردد على نطاقٍ ضيق، أن هذا الكلام إستدعى تدخلاً مباشراً من الرئيس عون الذي إتصل هاتفياً قبل نحو إسبوعين بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله من خلال قناة التواصل الدائمة، لازالة الالتباسات التي تسبب بها صهره، مبرراً ذلك بأنه “تكتيك يتبعه باسيل في تأمين كتلة مسيحيّة وازنة لا أكثر”، وهو إتصال أحاطه نصرالله بكثيرٍ من الاهتمام والود.

استُتبع هذا الكلام بحصول لقاء بين نصرالله وباسيل، برّرَ خلاله الاخير بعض تصريحاته، مقدماً وعداً لنصرالله بعودته إلى القواعد سالماً بعد 6 أيّار.

الرئيس عون الحريص على العلاقة مع حزب الله وتحديداً الشق المرتبط بنصرالله وباسيل، كان واضحاً حين أبلغَ أمين عام حزب الله في الاتصال عن توجّه لدى باسيل لإعادة الروح إلى ورقة التفاهم، والتي يبدو أنه أخذ على عاتقه وضع اللمسة الاولى بنزوله على الأرض وزيارته المفترضة للضاحية الجنوبيّة في 6 أيار، لتكون المحطّة الثانية التي يزورها الرئيس بعد جبيل، والاولى التي يزور فيها المنطقة كرئيس جمهورية.

ويتردّد أن الرئيس عون سيدلي بصوته في أحد اقلام العائلة ببلدة حارة حريك مسقط رأسه، التي لها رمزية خاصة بالنسبة لحزب الله، وتعتبر منصة جامعة للشيعة والمسيحيين.

ويتبادر إلى ذهن متابعين أن خطوة عون وإن كانت تحمل وجهاً إنتخابياً، لكنها تحمل أيضاً وجهاً يقوم على فكرة لم الشمل وتثبيت معادلة الالتقاء بين البرتقالي والأصفر وحتى الأخضر، وتمتين أواصل الروابط بينهما، التي ستترجم على شكل ورقة تضم أسماء أعضاء لائحة “الوفاق الوطني”، يسقطها الرئيس في صندوقة الاقتراع.

لم الشمل ليس عون وحده يسعى إليه، بل يتولّاه نصرالله شخصياً، بحيث لن يكون لقائه المنصرم مع باسيل هو الأخير، بل يتوقّع أن يحصل لقاءاً تقييمياً آخر بعد تاريخ 6 أيّار، سيعمل نصرالله خلاله على إيجاد مساحات مشتركة تسهم في تذليل الخلافات -قدر الإمكان- بين باسيل والرئيس برّي، وبين باسيل ورئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجيّة تمهيداً لاعادة وصل ما إنقطع.

وبصرف النظر عن “شطحات” باسيل الأخيرة في الجنوب، كان لافتاً الهدوء الذي خيّمَ على خطابه في بعبدا، والذي غابت عنه مفردات الإتهام والهجوم على برّي، وهنا يتضح الدور الذي لعبه حزب الله في ضبط الايقاع وتهدئة الخواطر متحاججاً بإنضواء الفريقين في لائحة واحدة، وهو أساس يُبنى عليه الحزب في نزع أكبر قدر من الألغام المزروعة بين الحلفاء لاحقاً.

الكاتب: عبدالله قمح
المصدر: ليبانون ديبايت
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)