مُؤشّرات المُواجهة الإقليميّة تتكاثر بوتيرة سريعة…

0
14

مُؤشّرات المُواجهة الإقليميّة تتكاثر بوتيرة سريعة…

 

لم تهدأ منطقة ​الشرق الأوسط​ منذ عُقود طويلة، حيث توالت الحروب والمعارك وتنقّلت من بلد إلى بلد، وفتحت المُواجهات التي دارت في كل من ​العراق​ و​ليبيا​ و​سوريا​ و​اليمن​ بشكل خاص، الباب واسعًا أمام تدخّلات عسكريّة من كل حدب وصوت، في مُحاولة من الدول الكبرى لرسم مُعادلات إستراتيجيّة وتوازنات جيو-سياسيّة مُحدّدة، وفي مُحاولة من اللاعبين الإقليميّين للإحتفاظ بأدوارهم وبمناطق نُفوذهم. واليوم، تبدو منطقة الشرق الأوسط على عتبة خضّة عسكريّة وأمنيّة كبرى، إزدادت مُؤشّراتها ومُعطياتها بشكل كبير في المرحلة الأخيرة. وفي هذا السياق، يُمكن تعداد ما يلي:

أوّلاً: الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ خفّف مُستوى التصعيد مع كوريا الشماليّة، بمُوازاة رفعه مُستوى التصعيد السياسي والإعلامي مع ​إيران​. ومع تراجع النُفوذ الأميركي بشكل لافت في الشرق الأوسط، يبقى الملفّ النووي الإيراني ورقة بيد الإدارة الأميركيّة تستخدمها عندما تشاء للمُساومة على ملفات أخرى، ولتعزيز حُضورها الأمني وشروطها السياسيّة وصفقاتها العسكرية والتجاريّة، في المنطقة. وبغضّ النظر عن القرار الذي سيتخذه الرئيس الأميركي في الأيّام القليلة المُقبلة بشأن الإتفاق النووي مع إيران، الأكيد أنّ الإدارة الأميركيّة قرّرت إعادة تشديد العُقوبات على إيران من جديد، بعد أن جاء إتفاقها مع الدُول الغربيّة ومن بينها أميركا في عهد الرئيس السابق ​باراك أوباما​، لصالح طهران تمامًا، بينما خرجت واشنطن منه خالية الوفاض، شأنها في ذلك شأن الدول الإقليميّة الحليفة لها.

ثانيًا: ​إسرائيل​ عادت بدورها إلى تصعيد حملاتها السياسيّة والإعلاميّة على إيران، في مُحاولة لتأليب الرأي العام العالمي عليها، مُروّجة لوثائق إستخباريّة–بحسب وصفها، تكشف تنكّر إيران لبنود الإتفاق النووي وتنصّلها منه. والأخطر أنّ وتيرة الهجمات الصاروخيّة الإسرائيليّة في سوريا صارت مُرتفعة جدًا، وهي لم تعد توفّر أماكن تواجد الخُبراء والمُستشارين العسكريّين الإيرانيّين، في تحدّ إسرائيلي لإيران على الرغم من تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتانياهو​ أنّه لا يسعى لحرب مع طهران. لكن هذا التحدّي لا يُمكن أن يبقى من دون ردّ لفترة طويلة، وإن كانت بعض الإعتبارات تؤخّره لا أكثر.

ثالثًا: التقارب الأميركي القديم-الجديد مع مجموعة من الأنظمة العربيّة والخليجيّة، وصفقات الأسلحة الضخمة المُوقّعة بين الطرفين، والتنسيق في أكثر من ملفّ… عوامل مُتفرّقة تصبّ كلّها في خانة الإلتقاء على مصلحة مُشتركة تتمثّل بمُعاداة النظام الإيراني الذي صار يُشكّل خطرًا مُباشرًا على أكثر من نظام عربي وخليجي. وترغب السعوديّة بشدّة اليوم في وقف هجمات الصواريخ الباليستيّة التي تستهدفها بشكل مُباشر، والتي تُنفّذها الجماعات المُسلّحة والمدعومة من إيران في اليمن، وهي بالتالي على إستعداد لمُجاراة أي تدبير يُوقف التمدّد العسكري الإيراني في المنطقة والذي يُهدّد مصالح العديد من الدول الإقليميّة.

رابعًا: إنّ عدم قيام إيران بالردّ حتى تاريخه على الضربات المُتكرّرة التي إستهدفت مراكز تابعة لها في سوريا، يصبّ في خانة التحضير لردّ غير إنفعالي، بل مدروسوقويّ ومُؤثّر. والتدابير العسكريّة الإسرائيليّة، والتي تبدأ بالإستنفار الأمني على طول الحُدود، ولا تنتهي عند القرار الأخير القاضيبمنع تحليق أي طيران من الجهة السورية بإتجاه إسرائيل، تصبّ في خانة أخذ التحضيرات الإيرانيّة للردّ على محمل الجدّ، حيث أنّ إسرائيل أعاقت بتدابيرها الإحتياطيّة مُحاولات الردّ عبر إستخدام طائرات من دون طيّار لتنفيذ ضربات كثيفة في العمق الإسرائيلي، وهو الخيار الذي كان يتمّ التباحث فيه في صُفوف محور “المُقاومة والمُمانعة” لإيذاء إسرائيل لكن من دون التورّط في حرب شاملة، وقد جرى تنفيذ أكثر من مُحاولة تسلّل لطائرات Drone في أوقات مُتفرّقة من باب التجربة والإختبار، كان أخطرها في العاشر من شباط الماضي. أمّا اليوم، ومع إجهاض إسرائيل هذه الخطّة قبل تنفيذها، إنحسرت خيارات الردّ بالضربات الصاروخيّة، وهو خيار سيستدعي ردًّا إسرائيليًا مُباشرًا وسريعًا في حال تنفيذه، ما يعني الدُخول في مرحلة الهجوم والهجوم المُضاد.

خامسًا: إنّ إيران عملت بجُهد للحفاظ على الإتفاق النووي كونه صبّ في مصلحتها، وهي أحجمت في السابق عن أي تصعيد مُباشر مع إسرائيل من شأنه تعريض هذا الإتفاق للخطر، مُكتفية بتمدّدها وبتغلغلها في العديد من الدول العربيّة عبر قوى مُوالية لها ومدعومة أمنيًا وماليًا منها. لكن في حال إتخاذ واشنطن أيّ قرار بالإنسحاب من هذا الإتفاق، والعودة إلى سياسة العُقوبات، فإنّ إيران ستكون بحلّ من إلتزامات ضبط النفس حفاظًا على مكاسبها.

في الخلاصة، لا يُمكن الحديث عن حرب إقليميّة شاملة على الأبواب، لكنّ الأكيد أنّ كل المُؤشّرات تدلّ على منحى تصعيدي تتخذه الأمور بين المحور المدعوم من إيران من جهة، وبين مجموعة من القوى الإقليميّة والدَوليّة المُنوّعة التي إلتقت مصالحها على مُعاداة إيران. والمُواجهة يُمكن أن تبدأ بصاروخ أو بغارة هنا، وبردّ أو بإنتقام هناك، ومؤشراتها الأوّلية مُقلقة، ولكن مؤشّراتها الحاسمة ستتحدّد في الأيام القليلة المُقبلة، بحسب الموقف الذي سيتمّ إتخاذه من جانب الرئيس الأميركي بالنسبة إلى الإتفاق النووي الإيراني، في ظلّ حملة التحريض التي تُنفّذها إسرائيل حاليًا على المُستوى العالمي.

الكاتب: ناجي س. البستاني
المصدر: النشرة
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)