لائحة المصالحة»… لمَن سيصوِّت المسيحيون؟

 

للجبل في المعركة الإنتخابية حيثية مختلفة، إذ إنّ الكلمة الأكبر فيها كانت للطائفة الدرزية، في النظام الأكثري، والتي تلتزم عموماً ما تطلبه قياداتُها، وقد يكون وقعُ صوتها اليوم أعلى بعدما تمّ جمعُ دائرتَي الشوف وعاليه حتى باتتا من أكبر الدوائر من حيث عدد النواب، إذ يبلغ عدد المقاعد في الشوف 8 فيما يبلغ في عاليه 5، أي 13 مقعداً تتوزّع كالآتي: 3 موارنة لقضاء الشوف و2 موارنة لقضاء عاليه، 2 دروز لقضاء الشوف و2 دروز لقضاء عاليه، 2 سنّة لقضاء الشوف، 1 كاثوليك لقضاء الشوف، و1 أرثوذكس لقضاء عاليه، مع العلم أنّ هذه الدائرة تتألف من 170 بلدة وقرية، وفيها 131 مجلساً بلديّاً و293 مختاراً.

يشكّل الدروز في دائرة الشوف عاليه بحسب آخر إحصاء أجرته وزارة الداخلية في آذار 2017، 131929 ناخباً من عدد الناخبين (40.55 في المئة من الناخبين)، فيما يشكّل الموارنة: 87730 ناخباً (26.96 في المئة)، السنّة: 60738 ناخباً (18.67 في المئة)، الكاثوليك: 16843 ناخباً (5.18 في المئة)، الأرثوذكس: 16709 ناخبين (5.14 في المئة)، الشيعة: 8444 ناخباً (2.6 في المئة)، والإنجيليون 1543 ناخباً (0.47 في المئة).

الى هذا الجبل عاد المسيحيون بعد المصالحة التاريخية ليقترعوا، وفي ظلّ القانون الإنتخابي الحالي الذي قد يبدل صوتٌ تفضيليٌّ واحدٌ فيه المعادلة، من المتوقع أن تشهد صناديق الإقتراع زحمة ناخبين. لكن في الأمس كان الناخبُ يقترع للائحة بكاملها وبصوته يرفع احتمالَ فوز جميع أعضائها، أما اليوم فصحيح أنه يرفع الحاصل بصوته لكنه يختار مرشحاً واحداً ليستحوز على تفضيله.

فمن البديهي هنا أن يعطي ناخبو حزب «القوات اللبنانية» صوتهم التفضيلي لمرشح الحزب، وكذلك الحال بالنسبة الى تيار «المستقبل»، وحزب «الكتائب»، وحزب «الوطنيين الأحرار»، إلخ.. على رغم امتعاض بعضهم من خيارات أحزابهم، لكن ماذا عن المرشحين غير المنتمين الى أحزاب؟ على مَن يتّكلون في هذا القانون؟

خريطةُ التحالفات

يترأس القطبان الدرزيّان الأساسيان النائبان وليد جنبلاط وطلال أرسلان لائحتين في الشوف- عاليه، تتنافسان مع لائحة الوزير السابق وئام وهاب، فضلاً عن لائحة تجمع «الكتائب» و»الأحرار» ولائحتين للمجتمع المدني، ويرجّح أن تحظى لائحتا جنبلاط وأرسلان بالحاصل فيما قد يصعب على البقية هذا الأمر.

وتُعتبر لائحة «المصالحة» التي تتألّف من تحالف «القوات اللبنانية»- «الإشتراكي»- «المستقبل» المرجّحة للحصول على الأكثرية التي لم تعد مطلقة بطبيعة الحال في ظلّ القانون الحالي، وهي رشّحت على لائحتها في الشوف كلّاً من تيمور جنبلاط، جورج عدوان، ناجي البستاني، غطاس خوري، نعمة طعمة، مروان حمادة، محمد الحجار، وبلال عبدالله. لكن بين عدوان، البستاني، وخوري عن المقاعد المارونية، وطعمة عن المقعد الكاثوليكي، لمَن سيصوّت المسيحيون الموالون لهذا الخط السياسي؟

عودةٌ إلى الوراء

بالعودة الى عام 2009، قبل أن تزيد النقمة على بعض النواب وتتفتّح العيون على لا مبالاة بارزة من بعضهم تجاه الشوفيين، وقبل أن يدرك الأهالي أنّ هؤلاء «يتبخّرون» بعد الانتخابات، يغلقون خطوطهم ويقفلون أبوابهم، فلا «نحنا صوّتنالك» تعود تفيد ولا «نحنا محسوبين عليك» تجدي نفعاً.

لم يكن كل من البستاني وخوري مرشحَين فيما حاز طعمة على 62772 صوتاً، وهي النسبة الأعلى في دائرة الشوف بين جميع المرشحين من مختلف الطوائف، منها 88.8 في المئة من أصوات الدروز، 46.1 في المئة من أصوات الكاثوليك ونحو 48 في المئة من أصوات الموارنة، فيما حاز عدوان على 58502 صوت، منها 83 في المئة من أصوات المقترعين الدروز و49.6 في المئة من أصوات المقترعين الموارنة.

معاناة؟

يجمع الشوفيون على أنّ أحداً لا يريد نبشَ القبور ولا العودة الى الوراء، ففي غالبيتهم ممتنّون للمصالحة ويعملون على تمتينها، لكنّ الإقتناع لديهم بات شبه مترسخ، فالشوف وإن ازدهر في بعض مناطقه إلّا أنّ جزءاً كبيراً منه يعاني الحرمان، ففي بلد المياه هناك شحّ كبير فيه وغياب للآبار الأرتوازية، فضلاً عن مشكلة الكهرباء، النفايات، تجديد البنى التحتية، غياب فرص العمل أو الاستثمارات الجديدة إلخ، وهنا إن كان التعميمُ لا يجوز إذ إنّ بعض المناطق الشوفية أشبه بدولة، لكنّ الإستثناءات في هذا القضاء قاتلة، فماذا لو تطرّقنا الى «عاصمة الأمراء» دير القمر مثلاً حيث لا شبكة صرف صحّي ولا تنظيم عمرانياً للتراث ولا حتى فرص عمل تليق بالمتعلّمين، في الوقت الذي أنعم الله عليها بطبيعةٍ خلّابة ومناخ منعش، لكن قد يكون «ضرَب بإيد واستلقى بأخرى».

محاسبة؟

على رغم علّات القانون الجديد، إلّا أنّ المرشحين يتعطشون للصوت الواحد، الذي قد يكون وسيلةً لمحاسبتهم إذا احتجب عنهم ولمكافأتهم إذا أُعطي لهم.
من بين المرشحين في هذه اللائحة، يبرز طعمة الذي يحظى بشعبيّة لافتة لدى المسيحيين والدروز على حدٍّ سواء، والذي لم يخيّبهم بحسب ما يجمعون عليه خلال ولايته، لكنه اليوم في ظلّ القانون الإنتخابي الذي يغيّب الفرد ويذوّبه في الأحزاب، يؤكّد لـ«الجمهورية»، أنّ «ضميري مرتاح لما أنجزته، لذلك لا انتظر الانتخابات لأقوم بالتجييش والتعبئة وبالخطابات الطنّانة الرنّانة، ففريق عملي يواكب يومياً كل شؤون المنطقة التي أمثل ومن هذا المنطلق أتّكل على هؤلاء الناس المخلصين الطيبين الأوفياء»، مشيراً الى «أنني أنتمي الى اللقاء الديموقراطي والماكينة الانتخابية هي التي تقرّر كيف توزّع الأصوات».

يوضح طعمة أنه «منذ اللحظة الأولى لدخولي الندوة البرلمانية منذ العام 2000 وحتى الآن ما زلتُ مستمرّاً في حمل الهمّ المسيحي الذي تفعّل منذ العام 1993 بعودة المسيحيين المهجّرين الى قراهم وكرّسته المصالحة التي رعاها كل من غبطة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وزعيم المختارة وليد بك جنبلاط، وترسّخت من خلال الأعمال الإنشائية وشقّ الطرق الزراعية والخ، ولعبتُ دوراً بارزاً من خلال تسلّمي لمهمات وزارة المهجرين فساهمت في بناء دور العبادة المهدّمة من كنائس وجوامع وبيوت عبادة»، آملاً في أن «يمنحني المسيحيون واخوانهم الدروز أصواتهم إنطلاقاً من أعمالي».

أما تيار «المستقبل» فله ثقلُه في إقليم الخروب، حيث سيسعى لتجيير فائض الأصوات التفضيلية عن مرشحه السنّي محمد الحجار لمرشحه الماروني غطاس خوري، لكنها بطبيعة الحال لن تكون كافيةً وحدها لضمان فوزه في حال لم يصبّ له بعض المسيحيين أصواتهم، وفي هذا الإطار يعتبر خوري في حديثٍ لـ»الجمهورية» أنّ «أيَّ شخصية مستقلّة إن أرادت أن تترشح فعليها أن لا تكون «طارئة» على الحياة السياسية، بل أن تكون لها مساهماتٌ وطنية تسمح لها بذلك، أو أن تملك برنامجاً سياسياً مختلف عما نراه حالياً، أما أنا فموجود في الحياة السياسية منذ أكثر من 25 سنة وفي منطقتي التي خدمتها بقدر الإمكان ومن هذه الزاوية طرحتُ نفسي لتسلّم هذه الأمانة».

ويؤكد خوري أنه مرشحٌ عن «المستقبل» الذي وصفه بـ»العابر للطوائف لكنّ له أوزاناً مختلفة في كل طائفة»، ويرى أنّ الإنتخابات تحمل دائماً مفاجآت، وأنّ «هناك تنظيماتٍ سياسية ستحظى بأكثر من 50 في المئة من الأصوات فيما تتوزع النسبة المتبقية على المواطنين المستقلّين الذين ينتظرون البرامج الإنتخابية والعلاقات الإنسانية ليحكموا»، مؤكّداً أنه لا ينافس أحداً على اللائحة وأنه يقول للناخبين إنّ «هذا هو مشروعي، فإذا أقنعكم صوِّتوا لي».

لا شك في أنّ هذا القانون الإنتخابي الحالي أعطى الأولويّة للأحزاب وهمّش الشخصيات منفردة وقيّد المواطنين، وهو القانون الذي سمّاه البستاني: «اللهم نفسي»، ويقول لـ«الجمهورية»: «في هذا القانون عدم دستورية إذ عطّل مبدأً أساسيّاً هو حرّية الرأي والفكر والفرد، وعلى رغم ذلك سنتعاطى معه».

ويشير الى «أنني ترشّحت منفرداً في المرة الأولى في عام 1972 ولم يخذلني الشوفيون بأصواتهم، إذاً تعاطيَّ في الشأن العام بدأ منذ شبابي وعليه اتّكالي»، موضحاً أنّ «قاعدة عابرة للطوائف نشأت نتيجة عدم انقطاعي عن هموم المواطنين يوماً، وفي هذا السياق أفتح منزلي كل يوم أحد منذ 30 عاماً للشوفيّين للحوار معهم حول الهموم والمشاريع». ويستطرد قائلاً: «لا أحبّ التكلّم عن نفسي ولذلك لم ألجأ يوماً للدعاية والضجيج».

إذاً، لم تصدر النتائج بعد ولم يضمن أيُّ مرشّح نفسه نائباً في ظلّ «قانون المفاجآت»، لذلك الإنشغالات كثيرة وكذلك التحضيرات، وقد تكون هي التي حالت دون تلقّف عدوان اتصالنا، فهنا لن نضع بذمّتنا سبباً آخر لا سمح الله… وعلى كل حال الآمال معقودة على الشوفيين علّهم يحسنون استخدام سلاحهم يوم 6 أيار للتغيير، وليعطوا هذا القضاء ما يستحق.

الكاتب: ربى منذر
المصدر: الجمهورية
(ان كافة الآراءَ الواردة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع)